الجزائر | تنظر الجزائر بعين الحذر إلى تطورات الأوضاع في الجارة ليبيا بعد الضربات الجوية المصرية على معاقل تنظيم «داعش». وزاد من خطورة الوضع بالنسبة إلى الجزائر التصرف العسكري «الانفرادي» لمصر في الاراضي الليبية، ما يؤسّس لمرحلة جديدة من الحراك الأمني ستبرز نتائجه في القريب العاجل، مع تحول حلم الجزائر بلمّ شمل الليبيين لإيجاد حل للأزمة التي تعصف بالبلاد، إلى «كابوس» من توقيع دول تشجع الحلول العسكرية.

ويتساءل مراقبون عن مصير الحل السياسي السلمي عبر الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وآخر تقوده الجزائر منذ أيلول الماضي، خاصة أن دول الجوار أنشأت لجنتين تتكفل الأولى بمسائل الأمن وترأسها الجزائر، فيما تتكفل الثانية بالمسائل السياسية وترأسها مصر.

متابعون للوضع الليبي رأوا في الخطوة «الارتجالية» لمصر تجاوزاً لما تم الاتفاق عليه بين مصر والجزائر حيال ليبيا؛ فالجزائر التي تقود ملف الأمن تنادي بالسلم، ومصر التي ترأس لجنة السياسة ردّت بالعسكر.
وعلى الرغم من أن الجزائر والقاهرة أبدتا ظاهرياً توافقاً إزاء الملف الليبي، غير أن شنّ مصر لغارات جوية على مواقع تنظيم «داعش» في ليبيا كشف المستور وأكد وجود خلاف بين الجزائر والقاهرة حول أسبقية الحل السياسي على العسكري أو العكس، ما يزيد من تعقيد الأوضاع في المنطقة، لأن الجزائر ترى أن الحل العسكري في ليبيا يهدد أمنها واستقرارها، على اعتبار أن التدخل العسكري يوحّد مختلف التنظيمات الإرهابية ويستقطب مزيداً من العناصر المسلحة من مختلف بقاع العالم إلى المنطقة. فالجزائر ترى أن الوجود العسكري يبرر العمل الإرهابي حسب فكر التنظيمات المتطرفة.
التدخل العسكري المصري في ليبيا يجعل تحرك الجزائر لمواجهة الاضطرابات الأمنية المحتملة على حدودها الشرقية على المحك وأمام تحدّ صعب، إما المشاركة في عملية استباقية أو الاستمرار في الترقّب والدفاع عن التراب الوطني فقط.
مصدر عسكري رفيع كشف لـ«الأخبار» أن القيادة العسكرية أرسلت مزيداً من قوات الجيش الجزائري إلى الحدود مع ليبيا منذ صباح يوم أمس، وقامت بتزويد المناطق بمختلف المعدات والآلات العسكرية، من طائرات مقاتلة وقوات الصاعقة والأجهزة المتطورة، معلنةً بذلك حالة الطوارئ القصوى التي تعني الحرب.
ويظهر «تحفّظ» الجزائر على التدخل العسكري المصري في ليبيا من خلال تصريحات وزير الخارجية رمطان لعمامرة الذي شدد على أن ما قام به «داعش» يحث دول جوار ليبيا على ضرورة بذل قصارى الجهد من أجل تشجيع الليبيين على الحوار، والتعامل مع الجهود المبذولة، سواء من طرف الجزائر أو الأمم المتحدة وغيرها، من أجل إيقاف دوامة العنف والوصول إلى الحل السلمي المنشود.
وجدد بيان لوزارة الشؤون الخارجية الجزائرية دعوة الجزائر للمجتمع الدولي برمته وبمختلف مكوناته الفاعلة إلى «تنسيق الجهود للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة ووضع حدّ لسلسلة الجرائم الوحشية التي تدل على تنصّل وتجرد مرتكبيها من كل صفات الإنسانية».
ولفت البيان إلى أن «الجزائر تؤكد التزامها مواصلة المساعي مع دول الجوار والفاعلين الدوليين قصد التوصل إلى حل سياسي للأزمة في ليبيا بما يضمن عودة الأمن والاستقرار لربوع هذا البلد الشقيق، وبناء دولة مؤسسات قوية وقادرة على رفع كل التحديات، بما في ذلك استئصال الإرهاب والقضاء على كل مظاهر التطرف».
الخبير في مكافحة الإرهاب، علي الزاوي، رأى أن ما حدث في ليبيا خطة لجر الجزائر إلى المستنقع الليبي، موضحاً أن «المجزرة التي راح ضحيتها الأقباط هي استراتيجية مصرية فرنسية، وهو عمل مخابراتي».
وأضاف الزاوي في حديث إلى «الأخبار» أن مصر «وقعت في فخ خطة التدخل العسكري الفرنسي المرتقب، وورطتها في حرب لا تعنيها، ونجحت في جرها إلى مستنقع الأمن، بدليل دعوة مصر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا إلى مواجهة المتشددين في ليبيا».
وبخصوص فرص الحل السياسي الذي تنادي به الجزائر، أوضح الزاوي أن «الجزائر وجدت صيغة الحوار الشامل بالعودة إلى طاولة الحوار بين كل الشرائح الليبية»، وأضاف أن «ما يحدث في ليبيا هو صراع بين دولتين هما فرنسا وأميركا»، محذراً من أن التدخل العسكري سيوحّد كل التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
من جهته، رأى اللواء عبد العزيز مجاهد أن الجزائر في مأمن ممّا يحصل في لييبا.
وأضاف مجاهد في حديث إلى «الأخبار» أنه «لا انعكاس للأحداث في ليبيا على الجزائر، لأن ما يحدث ليس جديداً، وقد عاشت الجزائر سنوات من الدم والدمار الإرهابي».
ورأى اللواء المتقاعد أن تطورات الأحداث توضح أنه تم جرّ مصر إلى تصعيد في ليبيا كوسيلة لإعداد الوجود الغربي في ليبيا الذي يهدف إلى السيطرة على مصادر الطاقة ومنبع الثروات.
وأوضح مجاهد أن ليبيا كانت ولا تزال مسرحاً لمختلف الأجهزة الاستخبارية العالمية من الموساد الإسرائيلي إلى قطر وتركيا مروراً بفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
ولفت إلى أن الهدف والغاية من التدخل المصري في ليبيا إعداد الوجود الأجنبي على الحدود الشرقية للجزائر، مؤكداً أن الجزائر لن تتدخل في ليبيا، «لأن الجيش يخضع لمبادئ دستورية، ومنها عدم التدخل خارج التراب الجزائري، ولا لوجود أي عسكري جزائري على تراب أي دولة».
لكنّ بين المبادئ والواقع فرقاً شاسعاً، فالتهديد اقترب وبات على أبواب الجزائر. فهل تستمر الجزائر على مواقفها ومبادئها وتنجح في مراقبة الوضع من دون الإقدام على خطوة عسكرية استباقية؟