في عام 2011 شكّل بدء الهجمات العسكرية الغربية على النظام الليبي تحولاً في مسار الأحداث لجهة انتقالها من صراع داخلي للوصول إلى طرابلس ووضع اليد عليها، إلى مسألة دخلت فيها عناصر خارجية فتشعبت محاور الصراع.

وقبل يوم أمس وتنفيذ القوات الجوية المصرية غارات فوق درنة وسرت، كان الحديث يكثر عن ضربات جوية إماراتية ــ مصرية، وصلت حتى العاصمة طرابلس، إضافة إلى حديث عن دور جزائري خفيّ عند الحدود الغربية لليبيا. مجمل التبريرات التي أعطيت لعمليات كهذه في السابق، كانت تدور حول العمل على وضع حد للفوضى وعلى تجنب تمددها إلى دول الجوار. كذلك، كان للتعاون الإماراتي ــ المصري إطار عام آخر، هو مواجهة نفوذ القوى المنتمية إلى جماعة الإخوان المسلمين، ذات السطوة في المؤسسات الليبية قائمة.

وربطاً بذلك، فإنّ أحد مكونات الحروب الدائرة في ليبيا اليوم تكتنف أبعاد الانقسام السائد بين ما يوصف بقوى الإسلام السياسي المدعومة من قطر وتركيا في مواجهة قوى أخرى (اللواء حفتر أبرز مثال) مدعومة من مصر والإمارات، والسعودية. وإن كان هذا التقسيم تبسيطياً إلى حد ما، إلا أنه واضح ضمن المؤسسات الليبية الناشئة ما بعد انتخابات حزيران الماضي، وواضح كذلك ضمن خريطة النفوذ العسكري في ليبيا. وتكفي، مثلاً، مراجعة البيانات الصادرة عن المؤسسات الليبية أمس، للوقوف على هذا الانقسام.
هذا المشهد العام طرأت عليه تبدلات مهمة، إثر الظهور الفعلي لتنظيم "الدولة الإسلامية" ضمن مشهد الصراع الليبي، وذلك عبر تبنيه لعمليات اختطاف وقتل، فضلاً عن تبني هجمات أخرى مثل الهجوم على "فندق كورينثياس" في طرابلس... ومن اللافت للانتباه، أن التنظيم بدأ يطرح نفسه بنحو متمايز عن التنظيم المنتشر بين الأراضي العراقية والسورية. وفي الشريط المسجل الذي نشر قبل يومين، اهتم البعض بالإشارة إلى زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن. وقال المتحدث: "اليوم نحن في جنوب روما في رأس الإسلام ليبيا نرسل رسالة أخرى أيها الصليبيون، أن الأمان لكم أماني، ولا سيما أنكم تقاتلوننا كافة فسنقاتلكم كافة حتى تضع الحرب أوزارها... وأن هذا البحر الذي غيبتم به جسد الشيخ أسامة بن لادن تقبله الله، أقسمنا بالله لنشوبنه بدمائكم".
عموماً، الواضح أن التداعيات الأولى لنشر التسجيل تمثلت في بدء مرحلة الضربات الجوية المعلنة فوق ليبيا، إضافة إلى تصاعد وتيرة الحديث عن احتمال القيام بحملة عسكرية. وبصرف النظر عن حجم التهديدات التي تطرحها الوقائع الليبية (من توفير الموارد النفطية إلى الأمن الإقليمي، وصولاً إلى قضية المهاجرين)، فإن أهمية الضربات الجوية الأخيرة تكمن في أنها أنهت فعل تراكم الدعوات إلى تدخل عسكري هناك، وفتحت صفحة جديدة في الصراعات القائمة هناك. ومن هنا تفهم مجمل التصريحات الرسمية الصادرة عن عواصم عربية وغربية.
أكثر المواقف دلالة أعلنتها إيطاليا، التي أعلن مسؤولون فيها استعداد بلادهم لقيادة تحالف دولي في ليبيا (مستعمرتها السابقة). وأول من أمس، قالت وزيرة الدفاع الإيطالية، روبرتا بينوتي، إنّ بلادها مستعدة لقيادة تحالف إقليمي ودولي في ليبيا يهدف إلى "إيقاف تمدد (التنظيم)، الذي بات على بعد 350 كيلومتراً من سواحلنا". لكن من جهته، قال رئيس الحكومة الإيطالية، ماتيو رنزي، أمس، إنه إذا كانت إيطاليا مستعدة بالفعل للتدخل عسكرياً في ليبيا، فإنها لن تفعل ذلك إلا في إطار الأمم المتحدة وعملية لحفظ السلام. ورداً على سؤال، أضاف رئيس الحكومة الإيطالية، الذي اتصل بالرئيس المصري، أن "الوقت ليس مناسباً للتدخل العسكري في ليبيا"، مشيراً إلى أنه "لا بد من التحلي بالحكمة والحذر". وقال إن "القضية معقدة ونحن نتابعها بكثير من القلق والانتباه لكن لا يمكن أن ننتقل من اللامبالاة التامة إلى الهستيريا وإلى رد فعل غير متعقل".
التحرك الفرنسي كان لافتاً بدوره أيضاً، إذ دعا الرئيسان الفرنسي، فرنسوا هولاند، والمصري، عبد الفتاح السيسي، إلى اجتماع لمجلس الأمن الدولي واتخاذ "تدابير جديدة" ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". وأعلن بيان للرئاسة الفرنسية أمس، أن الرئيسين بحثا خلال اتصال هاتفي "الوضع في ليبيا وتوسيع عمليات داعش في هذا البلد، وأكدا أهمية اجتماع مجلس الأمن الدولي وأن يتخذ المجتمع الدولي تدابير جديدة لمواجهة هذا الخطر".
من جهته، قال وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، الذي وقع عقد مقاتلات "رافال" في القاهرة أمس: "تقع ليبيا على الضفة المقابلة للمتوسط وهي قريبة جداً منا، من هنا ضرورة البقاء في حالة يقظة دائمة وأهمية التحالف مع دول الائتلاف كما تفعل مصر".
وعلى جانب التطورات الليبية، كانت دعوة رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، هادفة بدورها، حين قال، في تصريح إذاعي، إنه "يجب على جميع بلدان المنطقة... محاربة داعش، كل بلدان هذه المنطقة بما فيها قطر وتركيا".
عربياً، فإن الموقف الداعم الأول جاء من قبل دولة الإمارات، فيما وقفت بقية ردود الفعل العربية عند حدود الإدانة. وقال وزير الخارجية الإماراتي، عبدالله بن زايد، إن دولته تضع "كل إمكاناتها لدعم جهود" مصر "لاستئصال الإرهاب والعنف الموجه ضد مواطنيها، وتؤكد وقوفها إلى جانبها وتضامنها التام معها". وشدد على أن "استقرار ليبيا بعيداً عن التطرف والإرهاب يمثل ضرورة عربية ودولية ويعزز أمن دول جوارها".
وضعت مجمل هذه المواقف مصر في موقف متقدم، لتصبح قاب قوسين أو أدنى من إطلاق حرب جديدة على الإرهاب، فيما هي مشغولة بمعارك أخرى في شمال سيناء، وكانت حتى أسابيع قريبة تعرض خدماتها العسكرية والتدريبية على الحكومة العراقية وتستقبل، مثلاً، وفوداً سورية معارضة في سبيل تقديم تصوّر لـ"حل سياسي للأزمة".
ويطرح هذا الموقف عدداً من التساؤلات بشأن الدور المصري المقبل، وأيضاً عن مدى تمكنه من الاستجابة لمواجهة مجمل التهديدات التي تتحدث عنها.
ديبلوماسي عربي كان معتمداً في طرابلس قال في حديث إلى "فرانس برس" إن "تدخلاً عسكرياً في ليبيا لن يكون سهلاً، في بلد معقد جداً تتضارب فيه المصالح والانتماءات". وأضاف: "سيرفضه بالتأكيد فجر ليبيا الذي يقيم علاقات غامضة مع جماعات إسلامية معتدلة وأيضاً متطرفة، ما سيخفض إلى حد كبير فرص نجاح أي ائتلاف، حتى وإن كان يحمل تفويضاً من الأمم المتحدة".
عموماً تشير التطورات في ليبيا والرد الفعل المصري عليها، إضافة إلى مواقف دول مثل إيطاليا وفرنسا، إلى أنّ ليبيا تحولت إلى نقطة جذب جديدة تستدعي تشكيل تحالف على غرار التحالف الذي يواصل أعماله، بقيادة أميركية، بين سوريا والعراق.
(الأخبار، أ ف ب)