لِمَ تنمو الأشجار بكلِّ هذا البذخ حين يموتُ أصحابها؟

فكرت كثيراً بهذا السؤال، الذي قرأته في إحدى المرات في كتاب أنطون تشيخوف «دفاتر سرّية»، بينما كنت أحثّ الخطى نحو موقف الباصات في ميدان عبد المنعم رياض، آتياً من عملي في جاردن سيتي.
هناك، على طول الكورنيش الفاصل بين المكانين، كان العشاق «يحرسون» السور الحديديّ الذي يفصل بين الرصيف وماء النيل، قبل أن يقطع المشهد كوبري قصر النيل...

بالأسود التي شهدت على حكايتيّ الحب والثورة. كنت أقف على الكوبري، أنظر إلى أحد الأسود، فأقرأ عبارات الحب التي لا تنتهي، وقد نقشت عليه. منذ فترة قصيرة، مررت بالكوبري لألتقط إحدى الصور مع صديق لم أره منذ فترة ـ وقد جاء نازحاً إلى القاهرة بعد فرصة عمل مناسبة. تقصّدت البحث عن تلك العبارات، فلم أجد لها بريقاً. بهتت. والكوبري أصبح «غائماً». تبدل كل شيء بعد الثورة. أحلام كثيرة ألقيت في زجاجات مسدودة إلى مياه النيل، واختفت الطائرات الورقيّة فوق أسطح المباني.

■ ■ ■


الجميع هنا يتحدث عن مشهد غائم مصاب بالهزال و»متشح» بالأحداث المضطربة والتفجيرات، ولا توجد نكهة مميزة للحالة الشعورية. التوترات التي تطفو على المشهد، توصد الأبواب واحداً تلو الآخر، يوماً بعد يوم. البيوت المصرية باتت مجروحة، وفي كل منزل ثمة شخص مفقود. تقول ن.ع، ابنة الثلاثة وعشرين ربيعاً بأنها «الآن، بعد أن أنجزت دراستي الجامعية، أظن أن المشهد لم يتغير كثيراً». ربما، تغير «الفالنتاين» عمّا قبل. وتابعت: «لقد كنت أشعر بأن هناك شعاعاً من الضوء يخترق العتمة، لكن الآن كلّما نظرت إلى الوراء، وتذكرت بعض الأصدقاء الذين غابوا دون أن يتركوا وردة في الجوار، أشعر بشحنة من الحزن تتسرب إلى جسدي جسدي بكامله. المشكلة باتت في مذاق الفرح». هكذا، لخصت ن.ع المشهد.
طوال الليل، كنت أفكر في تلك الكلمات. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى العمل، وفي المساء مررت بكورنيش النيل. كانت المراكب تضجّ بأصوات المهرجانات التي تصّم الأذان. تذكرت كلام الصبية عن طبيعة الفالنتاين وأشكال الاحتفال الباهتة التي باتت تغلّف المشهد. هنا، كان محمد عبد الوهاب يشدو «إمتى الزمان يسمح يا جميل، وأسهر معاك على شط النيل».

■ ■ ■


يحتاج الناس من فترة إلى أخرى لتلك النشوة، وهذه الحالة من الأمل كي يتغلبوا على ضغوط الحياة. أمام «فيترينات» شوارع وسط البلد، الفالنتاين يأخذ شكلاً آخر، فقد تجد تشكيلة واسعة من القلوب الحمراء أو البطاقات الملوّنة التي باتت تحمل عبارات تتماشى مع الذوق العام وسرعة الحياة اليومية، كأن تجد مثلاً: «هاتي بوسة يا بت». فيما، تتّشح مطاعم المأكولات السريعة باللون الأحمر، على بعد خطوات من ميدان التحرير. كل شيء يتحول إلى الأحمر: الوجوه، الباصات، إشارات المرور، القلوب، واجهات المحال.

■ ■ ■


الحكاية تقول إن القديس الروماني فالنتاين (القرن الثالث الميلادي) كان يزوّج العشاق المسيحيين. حينذاك، كان سر الزواج في المسيحية موجوداً. ولأن الديانة المسيحية كانت ممنوعة في بداياتها في الإمبراطورية الرومانية القديمة، فقد كان يُعاقب كل من يمارس أحد أسرار الكنيسة. نتيجة لذلك، اعتقلته السلطات الرومانية وحكمت عليه بالإعدام، فأصبح شهيد الحب والعشق. هكذا قرأت في إحدى المرات على صفحات «وكيبيديا». (علماً أن الأخيرة ليست مصدراً موثوقاً بطبيعة الحال)
في المساء، عدتُ إلى المنزل، وبينما يدور في بالي شكل الهدية التي أرغب في شرائها، دلفت من ذاكرتي صورة ذلك الشاب الجامعي الذي يقطن البناية المقابلة، والذي أرى شرفته من نافذتي الصغيرة. تذكرت محادثته «لها» في الأيام السابقة لتلك التظاهرة، حين «الفالنتاين قرّب، حوّشت شوية فلوس، وجبتلك هدية حلوّة». كنت أسمعه يتحدث في الهاتف طوال الليل، وبجواره على الشرفة أصيص لبنفسجات عذراء. وفي أسفل الشرفة، وتحديداً في حديقة البناية، شجيرات «فيكس».
منذ التظاهرة الأخيرة، لم أعد أراه من نافذتي الصغيرة، ولم أعد أسمع صوت هاتفه المحمول... بينما كانت الشجيرات أسفل الشرفة تنمو ببذخ، كأنما أرادت أن تصل السماء حيث هو.
(القاهرة)