هذه السنة أيضاً، من المنتظر أن تكون كما سابقاتها. لا «فالنتاين». بعد الثورة كما قبلها. وفي خضم غلاء الأسعار الذي يحاصر الشاب التونسي، والصبيّة التونسيّة، في أيامه، وفي أيامها، العشاق مطالبون باحتفال بلا صخب. لا يعرفون «القديس فالنتاين»، لكن ثمة تقاليد متوارثة، والاحتفال قد يكون على الطريقة القديمة، أي تبادل بطاقات الحب لا أكثر.


الرابع عشر من شباط ليس يوماً تاريخيّاً، لكنه هنا في تونس، ليس يوماً عادياً، بالنسبة للعشاق التونسيين. والتونسيون في هذا اليوم، الذي ليس يوم عطلة رسمية، مطالبون بتبادل الهدايا والمفاجآت. لكن المرأة التونسية غير ملزمة بذلك على خلاف الرجل، ولعل ذلك يأتي على غرار مراسم الخطبة والزواج التي وإن استغنت فيها التونسية عن «المهر»، فإنها بقيت متشبثة بالهدايا الموسمية التي لا تتسامح فيها. وهذه رواسب ذكوريّة، لا تستدعي التعميم، ولكنها شائعة في المجتمع التونسي. هذا لا يلغي ــ بطبيعة الحال ــ وجود شابات تونسيات كثيرات متحررات، في مقابل أخريات يعملن على قاعدة استسلمت للرواسب الذكوريّة: إن لم تكوني على علاقة قبل هذا التاريخ، فسارعي إلى أن تجدي شريكاً، لأن المصير هو الوحدة يوم عيد الحب، وتالياً، تأمّل المحال المزركشة بالألوان والقلوب والورود الحمراء. الواجهات التي تساير رأسمالية الفالنتاين، وتغص بمختلف أنواع الهدايا والشوكولا، بكل اشكالها وأحجامها، في انتظار العشاق الذين سيتهافتون إليها. وطبعاً، سيكثر موسم العطور بمختلف أنواعها وماركاتها، سيتصدر الحب الواجهات.
وبما أنه يوم «احتفالي»، قد يكتفي «الوحيد»، أو «الوحيدة»، بإلقاء النظرات المتحسرة على الشبان «السعداء» والفتيات «السعيدات»، والجميع يمشي «الخيلاء». إنه احتفال، ولذلك من الأفضل ايجاد شريك أو شريكة، حتى ينقذ المشهد من البؤس. حسناً، هذه صورة نمطية ليومٍ لا أحد يعرف كيف صار مقدّساً. عيد الحب، في تفاصيله، يتسلل إلى تونس، كما تسلل إلى أغلب المجتمعات المستهلكة، التي تحول العادات إلى استهلاك. ولو سُئل المحتفلون والمقدسون والمقدسات –خاصة- لهذا العيد، عن سبب الاحتفال بهذا التاريخ ومن أين جاءت هذه العادة، لاقتصرت إجابات العارفين منهم على القول بأن «القديس فالنتين» الذي يحمل اسمه هذا العيد هو «قديس إيطالي». حسناً، هذا تنميط آخر، لكنه جائز، خاصةً أن له حسنة أخرى، وهي أن التونسيين لا يكترثون بكل دعوات وفتاوى التحريم الصادرة سواء من شيوخ المشرق أو من شيوخ السلفية الذين ظهروا بعد الثورة التونسية واحتلوا المشهد في فترة ما. عيد الحب، نافذة. بعد الثورة، لم يتغيّر المشهد في يوم الحب. رغم كل التغيرات السياسية التي طرأت على البلاد، والهزات الإيديولوجيّة، التي عصفت بها، حافظ التونسيّون على عاداتهم «الاستهلاكية»، من دون أن يعير المستهلكون اهتماماً للزعيق «الإيديولوجي» المحيط بهم. وصودف أن كان أول «14 شباط» تلى ثورة 14 كانون الثاني، شهد الاحتفال بـ«عيد حب تونس» كما أسموه. يومذاك، تجمع المئات منهم في الشارع الرئيسي للعاصمة التونسية، لرفع هذا الشعار وأطلقوا أهازيج تتغنى بحب البلاد والثورة. لكن ذلك لم يتكرر في السنوات التالية، وسرعان ما استعادت المناسبة طابعها الاستهلاكي. حسناً، المهم أن يبقى الحب في تونس، بـ«فالنتاين ثوري» أو بدونه. كل عيد حب وتونس بخير.
(تونس)