هل تقتل الحب رصاصة طائشة؟ أجابني «العاشق» بـ«لا». الحب أعمى. طيب. لا نعرف بعد، كيف سيمر بين الأنقاض، والمباني المهدمة، وكيف له أن يحدد مصدر صوت الانفجارات، إن كانت قريبة، وإن كانت ستقتله، أم لا. قال العاشق: من حسنات الحب، أنه شعور وليس جسداً، حيث يمكنه أن يعبر الحاجز من دون أوراق ثبوتية، من دون أن يشتبه به فيطلقون النار عليه. الجسد من لحم ودم ومشاعر. والحرب أضافت إلى المشاعر: الخوف، والحزن، الفقد، والحرمان. الحرب ضدّ الحب. والعاشق، يعرف نوعاً من الحب يسكن المعتقلات، فصديقي الذي اعتقل بتهمة التظاهر، لا يزال عندما يستطيع أحد من أهله أن يزوره، يهرّب «المكاتيب».


ولا يعرف إن كانت تصل، أم لا. صديقنا «الرومنطيقي» ليس وحيداً.
في الواقع، وفي بعض المناطق السورية، أرجعت الحرب الحب إلى «العصر الرومنطيقي». الحرب قطعت الكهرباء والانترنت، فلم يعد بالإمكان التواصل عبر الهواتف النقالة، ولا أجهزة الكومبيوتر. ومن لا يستطيع انتظار عودة الكهرباء، لساعة في اليوم، أو الانترنت الذي انعدم كلياً، يكتب رسائل خطّية، على ضوء «الشمعة» أو «قنديل الكاز». لكن «الأصالة» هذه، تواجهها «حداثة عاطفيّة» من نوع آخر. الحرب، سهلت مسألة الزواج لدى الشباب المغتربين، الذين لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم لأسباب أمنية، لدرجة أنه صار بإمكان الشاب المغترب، أن يرسل مهره عبر الـ «وسترن يونيون»، أو مكاتب تحويل أموال أخرى. هذه قصص تحدث، وإن كنت غير شائعة. ونستذكر هنا بعض الحالات التي صعّبت الحرب احتمال استمرارها، كأن يكون الحبيب معارضاً والحبيبة مع النظام، أو العكس. طيب. من الممكن، أن يستمر الحب، إن كان العقل هو القاعدة الأولى في هذا الحب، وقال بعضهم، ممن يؤمنون بسذاجة الحب... «من يحبني سيترك كل شيء من أجلي». والعشق والحرب، لا يتفقان.
ملاحظة مهمة: في الحقيقة، الحب، والحديث عن الحب، معقولان في المناطق التي تسيطر عليها معارضة غير متزمتة دينياً، أو يسيطر عليها النظام. أما في المناطق التي تسيطر عليها تنظيمات دينية، مثل «داعش» و«جبهة النصرة»، فالحب جريمة، قد يجلد مرتكبها. الزواج «الشرعي»، أو الرغبة مدفونة إلى الأبد.
كيف للحرب أن تسهل الجمع بين حبيبين؟
في المناطق التي شهدت نزوحاً، وفي مجتمع ذكوري، يتعامل «الأوصياء» مع الإناث كما لو أنهن عبء. «العرض»، و«سمعة البنت»، وأشياء ذكوريّة من هذا النوع. في النزوح، صار من السهل على الشاب التقدم لخطبة حبيبته وأخذ الموافقة من دون شروط مسبقة، لأن المجتمع ذكوري أولاً، وثانياً، لأنه لا حاجة إلى بيت. الجميع صاروا في الخيم، وأحياناً في العراء، ولا حاجة للسيارة، لأن التجول بالنسبة للنازحين ممنوع، ولا حاجة لأشياء كثيرة، لأن أسبابها انعدمت. السلطة أيضاً، ذكوريّة.