إيلي حنّا

الحركة التجارية التي لم تعتدها حلبا أيام الآحاد، كانت الدليل الوحيد على وجود نشاط انتخابي في عاصمة القضاء. فغابت التجمعات الشعبية واقتصرت على المكتبين الانتخابيين لرئيسي اللائحتين. بدت الأجواء في ثانوية حلبا حيث مركز الاقتراع للأقلام المسيحية مرتاحة جداً لسعيد الحلبي، رئيس البلدية الحالي المقرب من المعارضة السابقة. فالناخبون المسيحيّون كان ميلهم ظاهراً للائحته، إذ شكّل دعم النائب خالد ضاهر وتيار المستقبل علناً لعبد الحميد الحلبي حساسية لدى هؤلاء. وقد قاربت نسبة اقتراع المسيحيين 50%، وهي تعدّ نسبة مرتفعة قياساً لأرقام الانتخابات النيابية والبلدية السابقة، وهو تقدّم يحتاج إليه سعيد لموازنة أرقام أقلام السنة (حوالى 2600 مقترع) التي ساندت في قسمها الأكبر لائحة عبد الحميد الحلبي بسبب الإشراف المباشر لنواب المستقبل على معركة حلبا.
أجواء حلبا الهادئة، برغم حماوة المعركة السياسية، لم تنسحب على تكريت التي وصلت نسبة الاقتراع فيها إلى 65%، نظراً للمعركة العائلية الحادة بين «السبع أفخاذ» والثلاثي :نعمان - غية - عوض» وحلفائهم. في مدرسة تكريت الرسمية، تجمهر رهط من المحجبات حول فتاتين بدا أنهما تقترعان للمرة الأولى، فحاولن استدعاء روابط الدم لعلّهن يقنعن الفتاتين بتشطيب بعض الأسماء...
بيت ملات، الجارة المارونية لتكريت، لبست ثوب المعركة بالشكل أكثر مما خاضتها بالمضمون. فقد فاق عدد اللافتات والصور نسبة الاقتراع المتدنية، والحركة الخجولة لأبناء القرية المنقسمة منذ زمن بعيد بين عائلتيْ الحاج والصيفي. وقد دعمت كل عائلة لائحة مكتملة اختلط فيها العائلي بالحزبي (القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر).
شابه جوّ بيت ملات قرى الجوار، إذ «تنزّه» أهالي العيون نحو مدرستهم الوحيدة ليختاروا واحدة من لائحتي آل المراد، فيما منع عضوان بلديان منفردان ومختار، التزكية في بزبينا. هذه التزكية التي عملت عليها مؤسسة فارس واحتسبتها ضمن «قراها الأرثوذكسية الوفاقية»، بدت هشّة بعد تسارع أخبار التشطيب والانتقام المنظم من أشخاص كوّنوا خصومات مستجدّة إثر الائتلاف الذي حرم بعض الموعودين من كرسي البلدية. الأمر نفسه في رحبة، إذ شكّل بعض المنفردين لائحة «كرامة رحبة»، وهم من المنقلبين على النائب السابق عبد الله حنا الذي وافق على الائتلاف مع اليسار ومؤسسة فارس وباقي القوى الرحباوية. فتور الحركة الانتخابية في رحبة دفع باللائحة الائتلافية عبر عدد مندوبيها الكبير إلى رفع نسبة الاقتراع في الساعات الأخيرة لدعم أرقام المرشحين الخمسة عشر.
من جهة أخرى، ظلّت الصورة غير واضحة في البرج، قرية النائب معين المرعبي. فيروي أحد المرشحين «لم نعرف حقاً لمن اقترع الناس» في ظل تنافس ثلاث لوائح مع رجحان الكفة للائحة آل الكردي المدعومة من النائب المرعبي ولائحة رئيس البلدية الحالي محمد قاسم المدعوم من العائلات.
يختلف المشهد في عكار العتيقة حيث احتلّ الأهالي جانبي الطريق طيلة اليوم الانتخابي. هنا الجميع متفاؤل بالفوز. فانقسام تيار المستقبل وجنوح اللائحتين نحو صبغ أعضائهما بالأزرق، جعل المعركة متكافئة.
في فنيدق، لم يغطِّ عديد قوى الأمن المرتفع على الناس الذين فضّلوا افتراش الطرقات، والأطفال الذين أطلقوا العنان لحناجرهم هاتفين بحياة كل من المتنافسين. أقحم الجميع نفسه في الماكينة الانتخابية لللائحتين المتنافستين. كلّهم يبحث عن اسم لم يدخل خلف الستارة بعد، وكلّهم مستعدّ لإيصال الدعم اللوجستي لإخوانه. وصلت نسبة الإقبال إلى 60% مع تسجيل مشاركة نسبة مرتفعة من سكان السهل وطرابلس. ويرى أحد المقربّين من الشيخ سميح عبد الحيّ في أصوات هؤلاء «المفاجأة التي أعدّها الشيخ لخصومه»، فيما عمّ التفاؤل جمهور لائحة عبد الإله زكريا وخالد طالب منذ فتح صناديق الاقتراع «فبمجردّ احتساب أرقام ناخبي آل زكريا مع كنعان وباقي اتحاد العائلات، تكون المعركة محسومة».
في قرية الشيخ محمد، كانت التجمعّات خماسية... كل عائلة التفّت حول مائدة الطعام على سطح المنزل. فالجوّ الحار كان كفيلاً بتوجّه الناخبين «بالتنقيط» نحو مراكز الاقتراع لتصل نسبة الاقتراع إلى 40% في معركة سياسية واضحة المعالم بين لائحة مدعومة من التيار الوطني الحر برئاسة طلال خوري، وأخرى قوامها الحزب الشيوعي اللبناني والعائلات.
وعاكست تل عباس الغربي أرقام القرى المسيحية، مسجّلة نسبة 70% (1300 مقترع) في معركة محتدمة بين وليد متري المدعوم من التيار الوطني الحر، وجرجس متري المدعوم من 14 آذار والنائب نضال طعمة، بالإضافة إلى مرشح منفرد للحزب الشيوعي اللبناني.



«أبو الطول» نجم ببنين

يبدو «أبو الطول» في طريقه إلى مركز الاقتراع أكثر شعبية من كل المرشحين إلى عضوية المجالس البلدية والاختيارية. فالحشد على جانبي الطريق يتهافت للسلام عليه، وهو يجد لكل مرحّب به مزحة تضحك الحشد كله. يعد الصحافيين بأن يسمح لهم بالتقاط صوره وسط أصدقائه، لا المعجبين به، كما يقول، لكنه لا يلبث أن يتسلّل بعيداً عن عدساتهم. الدركي قبالة قلم الاقتراع ينسى أن يسأله عن هويته. مفتي عكار أسامة الرفاعي يلمحه وسط الحشود فيتوقف ليسلّم عليه.
يحيى، الملقّب بأبو الطول لأنه قصير القامة، شارك في المسلسلات مع فهمان وأبو سليم، فتضاعفت شهرته في بلدته ببنين، وتحول إلى الرقم الصعب الذي يسعى معظم المرشحين وراء دعمه لهم، لأنه «مؤثّر في الرأي العام» على حدّ قول أحدهم. أمس، كان شقيق «أبو الطول» عبد القادر مرشحاً إلى عضوية المجلس البلدي، فارتدى يحيى بذلة جديدة وشقّ طريقه ليعبّد طريق شقيقه إلى المجلس البلدي. صندوق الاقتراع كان مرتفعاً بالنسبة إليه، وحين حاول رئيس القلم أن ينزل الصندوق قليلاً ليريحه، رمقه بنظرة غاضبة أفهمت رئيس القلم أن «أبو الطول» يرفض أية معاملة خاصة. والواضح أن غالبية أبناء البلدة يسايرون يحيى، فقد سارعوا إلى التمنّي على المصوّر ألا يركع ليلتقط له الصور لأن ذلك يستفزّ نجمهم.


الرابية محايدة

هاتف في يد، وجهاز لاسلكي في اليد الأخرى. عينٌ على عين محاوره، وعينٌ على الطريق. ثقة مطلقة بالفوز وخشية من المفاجآت. هذا هو عمر مسعود، المرشح إلى رئاسة المجلس البلدي في بلدة عندقت، ثانية القرى المارونية في عكار بعد القبيات. حوّل الطبقة الأولى في منزله إلى مكتب انتخابي، مستعيناً بسابيلا باسيل، التي غالباً ما تبتكر الإعلانات التسويقية للوزير جبران باسيل، لترسم له إعلاناً يوازن فيه بين الجدية والشخصية المرحة، خلف شعار «أمل عندقت». مسعود اعتقد أن اجتماع غالبية عونيّي بلدته ذات مرة لتسميته مرشحاً لرئاسة المجلس البلدي، سيعبّد طريقه للحصول على دعم العونيين المطلق، لكنه لم يكن موفّقاً في اعتقاده. فقد تمسّكت الرابية بموقفها الحيادي حتى إقفال صناديق الاقتراع. وبرغم تكرار هذا الموقف في أكثر من بلدة، بدا أن مسعود وغيره من المرشحين العونيين في البلدات الأخرى يتفهّمونه، إذ يحرص هؤلاء على تجنّب الانقسام العائلي الذي عانى منه التيّار بعد الانتخابات البلدية الماضية، معتبرين أن وقوف الرابية على الحياد، لا الانحياز إلى طرف ضد آخر، يعزز قدرتها على استيعاب الجميع لاحقاً. وبالعودة إلى مسعود، فقد شغلته المعركة أمس عن التعليق على موقف الرابية، وقد بدا واثقاً من حصول لائحته على ستين في المئة من الأصوات.