ديما شريف

«جنّت المينا». صرخة أطلقها الأستاذ الجامعي مساء الانتخابات البلدية في المدينة البحرية الصغيرة، مفجّراً غضبه من كلّ ما يحصل فيها. فعشيّة الاستحقاق، بدا لزائر منفذ طرابلس على البحر، أنّها مركز قرار لبنان أو عاصمته. عجقة سيارات وصور ولافتات لم تترك معها شرفة أو حائطاً أو مكاناً فارغاً إلا غطّته، حتّى إنّ شجرة واحدة في الشارع الرئيسي نجت من صور المرشحين. والمتجول في المدينة يفاجأ حين يعرف أنّ عدد المرشحين للمقاعد الاختيارية الاثني عشر هم أربعون مقابل 82 مرشحاً للمقاعد البلدية الـ21، انسحب بعضهم قبل أيام من الانتخابات.
فكمية الصور كانت تجعل المرء يعتقد بوجود مئات المرشحين. أما اللافتات التي تغنت بمزايا المرشحين، فتوالت واحدة تلو الأخرى في شوارع المدينة، موفرة فرص العمل لخطاطي المنطقة. أما المواكب السيارة التي بثت أغنيات خاصة باللوائح البلدية، فلم تتوقف ليل نهار منذ يوم الجمعة.
كانت حماوة معركة قضاء طرابلس أمس إذاً في الميناء التي رفض بعض أبنائها التوافق، فألفوا لائحة شبه مكتملة (20 عضواً) هي «لائحة قرار الميناء الحر» بقيادة رئيس البلدية الحالي عبد القادر علم الدين، في مواجهة لائحة «وحدة الميناء» (مكتملة من 21 عضواً) التوافقية التي يقودها السفير السابق محمد عيسى والتي تشبه مثيلتها في طرابلس. كذلك أُلفت لائحتان للمقاعد الاختيارية مع بعض المنفردين.

مقاطعة أرمنيّة واجهت استبعاد أي مرشح أرمني عن اللائحة التوافقية
وكان يبدو حتى الرابعة من بعد الظهر أنّ المدينة التي انتظرت المعركة، تلقت عدوى من جارتها الكبيرة طرابلس، إذ لم تتعدَّ نسبة الاقتراع 16 في المئة. لكن، في الساعتين الأخيرتين قبل إقفال الصناديق، بدأت الماكينات الانتخابية تفعل فعلها، وتوافدت الحشود إلى الأقلام، وخصوصاً السنّية منها، فارتفعت نسبة الاقتراع لتصل إلى ما يقارب 31 في المئة، ما أكدّ مجدداً حماوة المعركة في المدينة.
أما في قلم المقترعين الأرمن، فخرق ثلاثة مقترعين (من أصل 450) المقاطعة التي جوبه بها استبعاد أي مرشح أرمني عن اللائحة التوافقية.
وانتشرت الأقاويل في الفترة المسائية عن أنّ هناك تنافساً بين كتلتي رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي في إظهار قوة كلّ منهما على الأرض. وبدا ذلك واضحاً بعد الخامسة مساءً، حين زاد زخم الاقتراع ازدياداً ملحوظاً.
وكان اللافت بعد إغلاق صناديق الاقتراع سحب مندوبي ميقاتي من المراكز، فلم يبقوا لمراقبة عملية الفرز. وكان رئيس الوزراء الأسبق قد أعلن خلال النهار أنّه «لم نعد نستطيع أن نفرض الخيارات على الناس». وتردد أنّه أعطى ضوءاً أخضر لمناصريه بأن يقترعوا لمن يشاؤون، ما يعزز من فرص اللائحة الثانية برئاسة علم الدين، في تكرار لسيناريو انتخابات 2004.
وكما في الجنوب، كان الحزب الشيوعي اللبناني حاضراً في معركة «مدينة الموج والأفق»، فشارك في لائحة «قرار الميناء الحر» بالطبيب الشاب كفاح مخايل، الناشط من خلال عمله في النجدة الشعبية. ترشُّح مخايل أتى إيماناً منه بتفعيل عمل الشباب المتحمسين لخدمة مدينتهم. أما عدم المشاركة في اللائحة التوافقية، فيلخصه مسؤول منظمة الحزب في المدينة، جميل صافية، بأنّه رفض للتوافق الفوقي وإثبات وجود في المدينة.
ورغم المعركة الحامية، لم تتبدل عادات أهل المدينة، فلم يتغيّر روتين الذهاب إلى الجزر القريبة التي ارتادها زوارها الدائمون من داخل المدينة وخارجها. وابتداءً من الساعة الخامسة، بدأت السيارات والمشاة باجتياح كورنيشها البحري، كما هي العادة في كلّ يوم أحد.
أما الزوار الآتون من خارج المدينة، فتركوها بعد هبوط الظلام لأهلها كي يتساءلوا كيف سيتخلّصون من كلّ النفايات والتلوّث الذي نكبت به مدينتهم.