على عكس الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت تحت ضغط سياسي ومذهبي ومالي، خاضت بلدات قضاء المنية ــ الضنية وقراه انتخاباتها وفق معايير جديدة، أبرزها ضيق هامش تحرك الأحزاب والقوى السياسية في القضاء، نتيجة بروز العامل العائلي بقوة


المنية/الضنية ــ عبد الكافي الصمد
لعل التبدّل الذي طرأ على المزاج الشعبي في المنية ـــ الضنية، مثّل دافعاً لإعادة بعض القوى السياسية حساباتها. فرغم أن تيار المستقبل فاز بمقاعد القضاء الثلاثة في الانتخابات النيابية العام الماضي، فإنه لم يسقط من حساباته أن عدداً لا يستهان به من البلدات والقرى لم تمنح مرشحيه أصواتها، ما اضطره إلى إعلان ما يشبه الاعتراف بالهزيمة مسبقاً، عندما أعلن التيار والنائب أحمد فتفت معاً منذ أيام أنهما لا يتدخلان في الانتخابات البلدية في المنطقة، محددين على وجه الدقة بلدة بخعون، معقل النائب السابق جهاد الصمد، ما دفع الأخير للإشارة إلى أن «المستقبل عندما يريد خوض معركة ما فإنه لا يقصّر فيها»، وهو موقف عدّته أوساط مراقبة «تراجعاً تكتيكياً من قبل المستقبل وفتفت، لأن تبنيهما علناً لائحة في وجه لائحة الصمد يعني تلقيهما خسارة مضمونة سلفاً».
لكنّ تراجع المستقبل خطوة إلى الوراء في هذا الاستحقاق المحلّي فُسّر بأنه محاولة منه لاحتواء سعي أطراف عدة في المنطقة لتصفية حسابات سياسية معه. ففي بلدة سير، المركز الإداري للضنية ومسقط رأس فتفت، فكّت رموزٌ عائلية وحزبية تحالفها المحلي الذي أنجزته مع فتفت عام 2004، بعد إخفاق مساعي التوافق التي سعى إليها البعض نتيجة غياب عنصر الثقة بين الطرفين، ما أدى إلى اصطفاف عائلي وحزبي غير مسبوق في تاريخ البلدة، في معركة رأى الطرفان أنها صعبة.
ولعل هذا الاعتبار دفع فتفت إلى القول إن «الفريق الآخر يخوض معركة لأهداف سياسية لا لخلفيات إنمائية»، مشيراً إلى «أنهم رفضوا حصول توافق لعدم القول إن هناك توجهاً في البلدة للسير في خط نائب البلدة وتيار المستقبل»، ومعتبراً أن «من الواضح أن هناك رسالة سياسية في معركة سير».

آثار الانقسام القديم بين 8 و14 آذار لا يبدو أنها تلاشت نهائياً في القضاء
هذا الأمر امتدّ إلى بلدة السفيرة، مسقط رأس النائب الأسبق أسعد هرموش، الذي خاض معركة ردّ اعتبار له في وجه فتفت والمستقبل بعد إبعاده عن اللائحة في الانتخابات النيابية الأخيرة، ودفع أحد مناصري هرموش للإشارة إلى أنه «لن نرضى إلا بالفوز بنتيجة 15 صفر»، أي فوز لائحته البلدية بكاملها، وذلك في سياق تعليقه على قول فتفت إن هرموش «أصرّ على حصول معركة رغم محاولاتنا حصول توافق».
في هذه الأجواء جرت الانتخابات البلدية والاختيارية أمس، وهو واقع يستدل عليه من خلال أن بلدية واحدة، هي الحازمية المستحدثة، قد فازت بالتزكية من بين 33 بلدية، إضافة إلى فوز 7 مخاتير بالتزكية من أصل 104، وهي نسبة قليلة جداً في منطقة تحكمها عادة التوافقات العائلية. إلا أن تراكمات الأحداث السياسية دفعت بالجميع نحو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لتحديد الأوزان في منازلة جديدة، وهو ما لمّح إليه الصمد من أن «التوافق العائلي هو الأساس في الانتخابات البلدية، لأن الانتخابات هي استحقاق محلي، رغم أن السياسة ليست بعيدة عنها».
التداخل بين العاملين العائلي والسياسي يبدو واضحاً للغاية في القضاء. ففيما تحالف مرشّحو المستقبل مع مرشّحي الجماعة الإسلامية في بقرصونا، فإنهم يتواجهون في لائحتين في بطرماز، بينما انقسم المستقبل على نفسه في بلدة قرصيتا نتيجة التجاذبات العائلية، وهو الأمر ذاته الذي تشهده بلدة دير عمار الساحلية.
لكنّ آثار الانقسام القديم بين 8 و14 آذار لا يبدو أنها تلاشت نهائياً في القضاء، وهو ما ترجم في بلدة كفرحبو التي خاضت 3 لوائح كاملة غمار الانتخابات فيها، تبيّن أن تيار المستقبل والجماعة الإسلامية والقوات اللبنانية يخوضون معركة في وجه لائحة مدعومة من تيار المردة والتيار الوطني الحر، إضافة إلى لائحة ثالثة استفادت من عثرات اللائحتين السابقتين وألّفت لائحتها الخاصة.
وجود 3 لوائح في بلدة واحدة لا يقتصر على كفرحبو ذات التنوّع السياسي والمذهبي الواسع، بل إن المشهد ذاته يتكرر في المنية وبحنين، ما يدلّ على حماوة المعركة الانتخابية إلى حدود قصوى.
ففي المنية تتصارع العائلات من أجل وضع يدها على البلدية الأكبر في القضاء (21 عضواً)، ما جعل تيار المستقبل يضيع وسط هذه الدوامة، وكذلك الحال بالنسبة إلى رئيس المركز الوطني للعمل الاجتماعي في الشمال كمال الخير، الوجه المعارض الأبرز في المنية، الذي وجد نفسه معنياً بانتخابات البلدية أمس، فضلاً عن الانتخابات النيابية الفرعية في 13 حزيران المقبل لاختيار خلف للنائب الراحل هاشم علم الدين.
عودة الواقع الجديد ـــــ القديم في المنية والضنية إلى سابق عهده يدل على أن العامل العائلي ما زال في منطقة ريفية بامتياز يتقدم على العامل السياسي، وجعل شظايا الانقسامات العائلية تصيب التيّارات والأحزاب السياسية بالكثير منها، على نحو بدت معه مشاهد الإقبال على الاقتراع وسط حيوية لافتة، في ظل تدنيها إلى حد غير مسبوق في مناطق مدينية كطرابلس مثلاً، دليلاً على أن العائلة لا تزال ناخباً رئيسياً وله كلمته في الاستحقاقات التي تشهدها التجمعات الريفية والقروية، وأن عصبها لا يزال مشدوداً بقوة.