لم تخالف بعلبك المتوقّع. خاضت معركتها أمس، كما المعركة النيابية، على قاعدة السياسة.. وعلى مقربة من الإنماء. كذلك خالفت بعلبك القرى المحيطة بها، التي خاضت «حروباً» عائلية وإنمائية... على مقربة من السياسة



راجانا حمية
آخر عشر دقائق في بعلبك، المشهد لا يشبه ما كان عليه صباح المدينة الباكر. نسبة الاقتراع تغيّرت. قفزت فجأة من مستوياتها الدنيا إلى أعلى ما يمكن بلوغه. 41,35% نسفوا بكلامهم ما كان عليه الوضع صباحاً حتى ساعات الظهيرة أيضاً، إذ كانت النسبة لا تنبئ بالخير أبداً. مجرد 10% لا أكثر ولا أقل.
بدأ صباح بعلبك باهتاً بعض الشيء. هدوء انتخابي، لا يعكّر صفوه إلا جولات حاملي مكبرات الصوت وصولات حاملي الرايات الصفراء التي ذرعت الطرقات جيئة وذهاباً. لكن، رغم ذلك، كان الجو «أصفر» يوحي بربح لائحة على أخرى: أولى برئاسة هاشم عثمان، مكتملة ومدعومة من تحالف حزب الله وحركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث وجمعية المشاريع، وثانية برئاسة غالب ياغي ومعه الجماعة الإسلامية وتحالف العائلات... برعاية من تيار المستقبل. وقد تركت هذه اللائحة أربعة مقاعد شاغرة «كي لا نضيّق على الناس»، يقول ياغي.

ثقة حزب الله بنفسه جعلته يتصرّف بفوقيّة، ما أخلى الساحة للآخرين
في بعلبك، كانت الغالبية «تنمية ووفاء»، لكن لم يعن ذلك أنهم كانوا وحدهم، فالأحمر والأبيض على ضآلته، وهو شعار بعلبك مدينتي، كان حاضراً أيضاً. لكنه، «ليس كافياً»، باعتراف ابن اللائحة. في حي البربارة، حيث تقع الماكينة الانتخابية للائحة، لم يكن الجو يوحي بالمعركة التي كانت دائرة في وسط المدينة. هدوء حذر وتسيير أعمال برئاسة ياغي. هناك، كان يمكن رؤية الفارق بين الماكينتين. ماكينة التحالف التي تضم آلاف المندوبين الثابتين والمتجولين وماكينة ياغي والعائلات التي تضم 80 مندوباً ثابتاً و200 جوال. لا يعوّل ياغي كثيراً على هذا الفارق. لا يراه «محرزاً» أصلاً، فتوقّعاته بنجاح اللائحة لا يمكن أن يلغيها هذا الفارق ولا حتى انتشار الأصفر. فأسوأ التوقعات هنا لا يمكن أن تصل إلى خرق «أكثر من 3 أو 4 أعضاء». نجاح باهر يتوقعه ياغي في مدينة «رمزيتها أنها محسوبة على حزب الله»، يقول أحد الناخبين، محمد رعد، ويعقبه آخر معتبراً أن ثقة حزب الله بنفسه جعلته يتصرّف بفوقيّة، ما أخلى الساحة للآخرين الذين يمكن أن يحقّقوا مفاجأة.
يردّ أحد المندوبين في الماكينة الانتخابية المركزية لحزب الله بأنه «إذا كان لا بد من الخرق، فباثنين فقط: غالب ياغي وحكمت عواضة». أما المناصرون، فلا مجال لسؤالهم، فلحظة الطرح يواجهونك بسؤالٍ محسوم أمره، «بدكن تعرفوا هون البعلبكي كيف بينتخب؟»، يقول علي. نسأل فيجيب: «زي ما هي للخط السياسي، والخط السياسي هنا حزب الله». يؤيّد رعد ما يقوله علي: «انتخابنا لأجل الخط السياسي، لا نحيد عنه ولو بقطع الرأس». من هنا، قد يفهم أي عابرٍ للمدينة موقف أحد مندوبي اللائحة الأخرى الذي لم «يستفتح» بإنهاء رزمة واحدة قبل الإقفال، فكان ردّ بعض المارّة بجانبه: «نفرح منك يا ابني». ربما، لأن غالبية المقترعين حسموا تماماً خياراتهم، ولا مجال لتغييرها في لحظة.
هكذا، كان جوّ بعلبك، سياسة تنفّس، مع غلبة. على عكس ما كان يجري في معظم قرى بعلبك الهرمل المحيطة. ففي تلك القرى، لم تكن المعركة سياسية. كانت أقرب إلى أن تكون عائلية مع ملاحظة يمكن تعميمها على قرى عدة، وخصوصاً تلك التي لم تسمح للتوافق بأن يحل وإن كان حزب الله طالب بهذا التوافق. ملاحظة أخرى يمكن ذكرها هنا، هي أن بعض القرى واجهت تحالف حزب الله والأحزاب بلائحة مكتملة للتحدي أكثر من الإنماء... أو أنها واجهته بلائحة غير مكتملة للقول إنه هنا «ليس الحزب وحده».
لكن، ثمة بلدات لم يدخلها الحزب علانية أو أنه تركها لتعذر التوافق، حاله في ذلك حال معظم الأحزاب. ومن بين تلك البلدات بريتال. لتلك المدينة خصوصيتها أيضاً، فهنا لا حزب ولا حركة ولا أي حزب آخر. هنا، الشيخ صبحي الطفيلي داعم «رأس اللائحة»، رئيس البلدية عباس ذكي إسماعيل. تعذر التوافق؟ يجيب إسماعيل بأنهم «كانوا يريدونها سياسية، وأنا أرفض أن تكون البلدية مختارة على أساس سياسي، نريدها إنمائية، ولذلك ألّفت لائحة من 18 عضواً تمثل جميع العائلات». والشيخ صبحي إذاً؟ يقول إسماعيل: «أفخر بأنني تلميذه، ولكن الأمر هنا متروك للعائلات. لكن، ما يقوله إسماعيل يرفضه البعض من أبناء البلدة الذين رأوا أنه «دراع الشيخ اليمين». كذلك فإن ما قام به إسماعيل خلال «12 عاماً مجرد تقديم خدمات خاصة». هنا، يقول فراس طليس، ابن أحد المرشحين على اللائحة المواجهة الناقصة 14 عضواً، إنه «مش ضروري ينزل بعد لنتأكد من الفشل إنمائياً أكثر».
لكن، مع ذلك «بريتال يتيمة»، يكملون. فحزب الله لم يتدخل وهي متروكة لرجل. أما في الخضر، فالواقع مختلف تماماً، إذ ستترك هذه البلدة الآن لامرأة وهي ملاك عودة، التي تترأس لائحة مكتملة. وهي البلدة الوحيدة في بعلبك الهرمل التي يترك زمام أمرها لامرأة، مقابل امرأتين مرشّحتين على «المخترة» في بريتال: سنابل طليس التي تريد أن تحجز للمرأة مكاناً، وشهيرة مظلوم المختارة التي تخوض معركة ثانية، لأن زوجها لا يتقن الكتابة.