حسن عليق

نزل الأحباش، صغارهم وكبارهم، لدعم أربعة مرشحين منهم إلى المجلس البلدي، وعشرة إلى المقاعد الاختيارية. لا مكان للهدوء في مركزهم الرئيسي في برج أبي حيدر. يحيطونه بإجراءات أمنية مشددة. يموّهون المواكب التي ما إن يخرج واحدها من المدخل الرئيسي، حتى يتبعه آخر من «جوار المقام»، وسط انتشار عدد كبير من المحازبين، من دون ظهور أي قطعة سلاح.
يقدّرون عدد أعضاء مندوبيهم بأكثر من 3500 مندوب. شبانهم وفتيانهم ارتدوا قمصاناً صفراء، أما الفتيات اللواتي يتميّزن بحجابهن «المودرن»، فغطين رؤوسهن بالأصفر والأزرق. وبعضهن كنّ «سافرات».
يبلغ بلال 17 عاماً من العمر. يقول إنه شارك ضمن ماكينة الجمعية في عام 2005. آنذاك، كان في الثانية عشرة من عمره، لكنه وقف طيلة النهار ليوزع أوراقاً على المقترعين. مشاركته «التزام بأوامر رئيس الجمعية، الشيخ حسام الدين قراقيرة، ومن أجل دعمها في وجه أعداء الدين!». والأعداء هم «الذين يكفّرون المسلمين، ويقذفون كل من لا يتفق معهم بتهمة الكفر». لكنه لن يعترض في حال «أمرته» الجمعية بدعم أي طرف تريد. فالرئيس «يرى ما لا نراه». تتدخل رفيقته التي تقف بقربه. تقول بنبرة مرتفعة: «المهم أننا ننفذ الأوامر». شاب عشريني يجلس في مكان غير بعيد خلف طاولة، يقول في منتصف النهار الانتخابي إن الأحباش «انتصروا». في أي معركة؟ يجيب: «نصرنا في تنفيذ الأوامر. ورؤساؤنا حمّلناهم أمر آخرتنا وديننا. فكيف هي الحال في أمر دنيوي كهذا؟».
أحد الفتيان (12 عاماً) نزل إلى الشارع منذ الصباح الباكر. «لم يطلب مني أهلي ذلك»، يقول مبتسماً قبل أن يضيف: «أنا طلبت إذنهم لأساعد الجمعية التي أحبها». لماذا تحبها؟ يتبرع رفيقه بالإجابة: «لأنها علّمتنا ديننا».
المسؤول الإعلامي في الجمعية، الشيخ عبد القادر الفاكهاني، لم يبقَ لحظة واحدة من دون عمل طيلة نهار أمس. يردّ على الإعلاميين، يجول على بعض مراكز الجمعية، يتصل ببعض المناصرين، يتابع ساعة بساعة نسبة الاقتراع، وبعد ذلك يتوجه إلى الجميزة. وفي أحد المقاهي، يجري مقابلة تلفزيونية، قبل أن يعود إلى متابعة النتائج في برج أبي حيدر. لم يقدر على تلبية طلب إدخالنا إلى مركز الماكينة الانتخابية للجمعية. يعتذر بلطف معيداً السبب إلى الازدحام داخل المركز، واعداً بالتعويض في مناسبة أخرى. يقول إن الأحباش «لم يكونوا في سبات طيلة الأعوام السابقة، ولسنا مغرورين، لكنّ الصناديق ستظهر حجمنا». يعود إلى الحديث عن الفترة السابقة ليوم الانتخاب. يقول إن الجمعية فوجئت بإعلان «لائحة البيارتة» (المعارضة السنّية) رغم أن الطرفين كانا يتفاوضان من أجل التوصل إلى لائحة موحدة. يدعو أبناء تيار المستقبل إلى التصويت لمرشحي الأحباش: «هم أبناؤنا وأخوتنا. وبعد اليوم، لم يعد مسموحاً لأحد بأن يقول إن من يشارك في الانتخابات هو ضد فلان أو ضد هذا المشروع».
قبل إقفال صناديق الاقتراع، تدعو إحدى «المشاريعيات» من يهمّون بالمغادرة من أمام مركز اقتراع في الطريق الجديدة إلى التجّمع عند الثامنة مساءً في برج أبي حيدر: «هناك سترون حجمنا، وستعرفون كم أن الجمعية صادقة في العمل. فرؤساؤنا صادقون، وهم يدفعون المال من جيوبهم، مثلهم مثل كل أعضاء الجمعية. ونحن لا تهمنا النتيجة، فمجرد المشاركة فيها مصلحة، مصلحة للناس».
يُذكر أنّ جمعية المشاريع ورثت بعضَ التراث الصوفي لمدينة بيروت في مواجهة المد السلفي. لها شيخ طريقة، وبعد وفاته، بات لها «مقام» تتبرك به. إلا أن الجمعية لم تكن مشغولة بالتعبّد والذكر وحسب، بل كانت جزءاً من المشهد السياسي في بيروت. وقد اتهمها خصومها خلال فترة الوجود السوري بكونها إحدى الأذرع الأمنية للاستخبارات الشقيقة، وبأنها سيفها المرفوع في وجه دار الفتوى أحياناً، والرئيس رفيق الحريري أحياناً أخرى. وهذه التهمة سمحت بضمّ الجمعية إلى صفوف «النظام الأمني اللبناني السوري المشترك»، الذي «قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري»، بحسب نظرية لجنة التحقيق الدولية التي تبنّتها قوى 14 آذار. ودفع الأحباش ثمناً قاسياً، إذ سجن اثنان من قادتهم لأكثر من 3 سنوات، «كمشتبه فيهم بالمشاركة في اغتيال الحريري». ومنذ ذلك الحين، انزوى الأحباش، لكنهم لم يتوقفوا عن العمل على الأرض. ولم يخرجوا إلى النور إلا يوم إطلاق سراح موقوفيهما، الأخوين أحمد ومحمود عبد العال في شباط 2009. حينذاك، قال الأحباش إنهم لا يريدون الانتقام ممّن ظلمهم. وفي الانتخابات النيابية في حزيران 2009، لم تشارك الجمعية بجدية. بقيت ماكينتها الانتخابية المعروفة بالفعالية خارج الضوء.