مرّت انتخابات بيروت بهدوء كامل. الناخبون لم يُلبّوا النداءات، ونزلوا في الأوقات التي تُريحهم على عكس توقّعات المندوبين، الذين عمل بعضهم كأنه فائز، فيما جدّ الآخرون


ثائر غندور
بيروت أمس، تُشبه بيروت في أيّ يوم أحدٍ عادي. طرقات فارغة، ما عدا تجمّعات صغيرة أمام مراكز الاقتراع. عمّال سوكلين لم يُعانوا مثل كلّ انتخابات.
انتخابات بيروت لا تُشبه الانتخابات النيابيّة أبداً. هدوء في مراكز الاقتراع، لا بل ملل. كلّ رئيس قلمٍ يسأل عن وضع البقيّة، ثم يستفسر: «لماذا عدم المشاركة هذه؟». استفسار رؤساء الأقلام، لا يتجاوز الفضول. الفرح يُسيطر على محيّا هؤلاء «الأساتذة». جميعهم مطمئن إلى أنّ عودتهم إلى منازلهم ستكون سريعة. لم تتجاوز المشاركة الـ21% في بيروت، وذلك على عكس توقّعات الأكثريّة السابقة.
لكن في بيروت معركة، وهي غير متكافئة أبداً. معركة بين لائحة فازت قبل بدء عمليّة الاقتراع (وحدة بيروت)، ولائحتين تريدان إثبات الوجود (لائحة البيارتة، ولائحة جمعيّة المشاريع). معركة بين لائحة امتلكت كلّ المقوّمات الماليّة، فوزّعت وجبات طعام عدّة على مندوبيها ورؤساء الأقلام، ولائحتين، أطعمتا مندوبيهما الحدّ الأدنى. معركة بين لائحة يدعمها رئيس حكومة لبنان، سعد الحريري، ولائحتين يدعمها ناشطون سياسيّون موجودون خارج الحكم، خسروا دعم حليفيهما الكبيرين: حزب الله والتيّار الوطني الحرّ. هي معركة بين فريق كرة قدم محترف ومجموعة هواة لا يملكون مدرّباً ولا قائداً ميدانياً.
المندوبون ناموا في مراكز، أو لجأوا «إلى سرد النكات كي لا نغفوا»، تقول فاطمة، المندوبة في منطقة الباشورة. في تلك الغرفة في مدرسة المستقبل الثانية، طلب رئيس قلم من المندوبين تأمين سندويش فلافل له، «لأنّ الفلافل هنا أفضل من جونية»، يقول رئيس القلم. تبرّعت فاطمة. طلبت من المندوب المتجوّل. لم يتجاوب. هدّدت بالانسحاب من الغرفة، فتأمّنت الفلافل. هكذا كان اليوم عبارة عن هدوء كامل.
منذ صباح يوم أمس، انتشر مندوبو لائحة وحدة بيروت (تيّار المستقبل وحلفاؤه) أمام مراكز الاقتراع وداخلها. كانوا مسيطرين على الوضع، لكن غير متحمّسين. من يجل في ما بينهم، يسمع أن الوقت يمرّ بطيئاً. مثلهم مثل المندوبين الباقين، لا يرون يوم الانتخابات سوى يوم عمل يقبضون في نهايته الـ 100 دولار، بدل أتعاب. هناك استثناءان: الأول، مناصرو تيّار المستقبل الذين استقلّوا دراجاتهم الناريّة أمام أعين رجال قوى الأمن والجيش اللبناني (رغم وجود قرار بمنع استعمالها من وزارة الداخليّة)، وقد تهجّم هؤلاء على مندوبي بعض المرشّحين المنفردين من دون أن تتدخّل القوى الأمنيّة. الاستثناء الثاني، هم مندوبو جمعيّة المشاريع الخيريّة، المختلفون عن البقيّة. مثلهم مثل بعض الناشطين في حركة الشعب، الذين وقفوا أمام بعض مراكز الاقتراع موزّعين لائحتهم التي تضمّنت «رغيف الخبز، تنكة البنزين، ثمن الدواء، قسط المدرسة، ضمان الشيخوخة، مساحات خضراء، أرصفة وشوارع، كهرباء بلا انقطاع، مياهاً للشرب، خفض الضريبة، مكافحة الفساد...»، وغيرها من المطالب.
حتى ظهر يوم أمس، كانت نسبة الاقتراع في أماكن وجود تيّار المستقبل منخفضة. دُقّ النفير. انتشرت شائعات، كالنار في الهشيم، «تيّار المستقبل يوزّع رشى»، يقول ناشطون في لائحة البيارتة. لا أحد يملك دليلاً على ذلك. لكن نسبة الاقتراع ارتفعت في فترة ما بعد الظهر ارتفاعاً مفاجئاً. أمّا في الباشورة، فناشطو حركة أمل يدعون إلى انتخاب لائحة وحدة بيروت، فيما يعمل مناصرو حزب الله على الدعوة إلى مقاطعتها، وقد ظهرت هذه المقاطعة في الصناديق.
في مدرسة زهرة الإحسان في الأشرفيّة، «تتكلّم» صناديق الاقتراع كلاماً مختلفاً. صناديق البلديّة تحوي أكثر من نصف ما تضمّه صناديق المخاتير بقليل. في المدرسة عينها، تصل ميراي وزوجها روبير: «أين أقلام المخاتير؟»، تسأل ميراي، «هذا قلم البلديّات»، يجيب رئيس قلم، تُقاطعه السيّدة: «أُريد قلم المخاتير لا أريد أن أصوّت للبلديّة». عندما تسألها عن السبب تُجيب: «أصوّت لمن أعرفهم. مرشحو البلديّة لا أعرفهم ولم أرهم».
اللون البرتقالي موجود بقوّة، في غياب وجود مناصري الكتائب، أو تلطّيهم مع مناصري الوزير ميشال فرعون بثياب لائحة وحدة بيروت. أمّا القوات اللبنانيّة، فنشرت مندوبيها بوضوح في جميع مراكز الاقتراع. العونيّون نشروا خيامهم في الطرقات؛ وفي أحد مواقف السيارات وضعوا عصّارات الليمون مع «بيك أب ليمون جنوبي جاءنا تبرّعاً من رفاقنا في جزّين»، تقول الناشطة العونيّة. يعمل هؤلاء على دعوة الناس إلى مقاطعة الانتخابات البلديّة، «هذه معركتنا»، يقول المرشّح العوني المقاطع الانتخابات البلديّة غسان زاخر.
القوات اللبنانيّة لجأت إلى مطعم واكيم، في الأشرفيّة. من هناك أدارت معركتها الانتخابيّة. كان على ناشطيها دفع ثمن القهوة التي يُريدون أن يشربوها في المطعم. أمّا أمام مركز حزب الكتائب، فهناك شبّان جلسوا يُمضون ساعات نهارهم بهدوء، مطمئنّين إلى أن الفوز إلى جانبهم. أمّا في مكتب الوزير ميشال فرعون، فنسبة الاقتراع وصلت إلى 35% عند الساعة الواحدة ظهراً، «وهي بالتأكيد ستصل إلى 50% عند إقفال صناديق الاقتراع»، تقول المسؤولة عن تلقّي المعطيات من أقلام الاقتراع. لا مجال لنقاشها. هي متأكّدة تماماً.
ساحة ساسين فقدت عجقتها. احتلّها مراسلو التلفزيونات، لاجئين إلى فيء الشجرات القليلة الباقية فيها. الزملاء مصدومون من نسب الاقتراع. رفّهوا عن أنفسهم، كلٌّ على طريقته.
مرّ النهار الانتخابي بهدوء. إشكال، قد يكون الوحيد، حصل بين رئيسَي قلمين في الأشرفيّة، أحدهما على صندوق بلدي والآخر على صندوق مخاتير. والسبب، أن أحد المرشّحين أراد الخروج من الغرفة قبل أن يُدلي بصوته في صندوق المخاتير وهو أمر مُخالف للقانون، لأنه لم يكن يحمل لائحة المخاتير. سُوّي الخلاف، بأن خرج الناخب، أحضر ورقته وعاد.
أمس، كان المستقبليّون والكتائبيّون والقواتيّون والفرعونيّون مطمئنين إلى فوزهم، في المقابل عمل العونيّون ومناصرو المشاريع بجدّ لعلّهم يُحقّقون نصراً.