strong>وائل عبد الفتاح

أميركا قلقة، وستظلّ قلقة. كلمة مختارة بدقّة من أدبيات إدارة باراك أوباما. قلق من آثار حدث ما على العلاقة التي تربط بين مصر وأميركا. القرار بالدفاع عن «الأمر الواقع» في القاهرة اتُّخذ، وليس أمام واشنطن إلا القلق من نتائج قرارها

بروفة على مسرحيّة مكرَّرة



أميركا تتباحث مع الحكومة المصرية بشأن أحداث العنف بين قوى الأمن والأقباط في العمرانية. هكذا اعترف المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية فيليب كراولي. الأحداث تعمّدت بالدم، قتيل وقت المواجهات، وآخر مات متأثراً بجروحه في المستشفى، إلى جانب عشرات الجرحى (بينهم قادة كبار في الشرطة).
الحكومة المصرية تتصرف بأسلوب معتاد، يبدأ بتصريحات حول المؤامرة، أرجعها مصطفى الفقي المقرب من النظام وقيادة الحزب الحاكم، إلى «الموساد». أما صفوت الشريف، فقد اكتفى بالقول إنها أحداث مبيَّتة ومخططة، ولم يكشف من خطّط لها ولا لماذا؟ المؤامرة تليها فوراً ألعاب محفوظة لتكوين رواية رسمية يجري التحقيق بناء عليها. وممّا تسرب، فإنّ الرواية ستتجه إلى أنّ القتل نُفّذ برصاصات انطلقت من الطرف المسيحي، وهو ما ستؤكده تقارير الطب الشرعي، السلاح المحطِّم لكل رواية تختلف مع الرواية الرسمية.
هل تعي أميركا أنّ المجتمع في مصر يتغير، بينما لا تزال السلطة على حالها، بأدواتها وأساليبها ووجوهها نفسها؟ هل هذا ما يقلقها؟ رئيسة نشرة «الإصلاح العربي» (يصدرها معهد كارينغي) ميشيل دان، قالت إن ادارة أوباما كانت «مؤدَّبة» مع نظام حسني مبارك، لكن يبدو أنها ستغير طريقتها.
قالت ذلك تعليقاً على أزمة مراقبة الانتخابات التي حوّلها نظام مبارك إلى معركة حول السيادة، وحشد آلات دعاية نقلتها من مجال الديموقراطية والحقوق السياسية إلى مجال الوطنية والدفاع عن الاستقلال. المجتمع يغلي، لكن قنوات التعبير «السياسي» مسدودة، ولا مجال مفتوحاً إلا عبر فورات الغضب.
انتشرت رسائل على قنوات «البلاك بيري» يوم المواجهة بين الأقباط والأمن، تحذّر من الاقتراب من الطريق الدائري، لأن هناك هوجة من الفقراء على الأغنياء. هكذا خرج الآلالف دفاعاً عن حق بناء الكنيسة. هوجة غضب في سبيل الله، كما صوّرها المحرِّضون، لكن عندما نُظِّمت وقفة احتجاجية أمام النيابة العامة ترفض تصرفات الأمن، وتطالب بالإفراج عن المعتقلين، لم يحضر سوى أعداد قليلة من النشطاء المعروفين.
الحدث تصنعه إذاً تغييرات لاعقلانية. أما العقل فتحت السيطرة، ورهن ترتيبات حديدية تُفقد الانتخابات آثارها، لتبقى متاهة: من سيحكم؟ ماذا سيحدث بعد مبارك؟ من سيخلصنا؟ من سيظهر ليحسم؟ من سيصنع التوازن الذكي لتمرّ قافلة النظام إلى المستقبل بسلام؟ وأميركا قلقة، فقط قلقة، رغم تحالفها مع النظام، وفقدانها أوراقاً كثيرة في الشد والجذب بين الديموقراطيين والجمهوريين.
ولا تزال الحكاية القديمة حيّة في الذاكرة، راويها ضحك وهو يتقمّص دور السفير الأميركي: «لمّا أحب أكلِّم شعب مصر، أكلِّم مين؟». السفير وجّه السؤال منذ سنوات لعدد من الأسماء الفاعلة في المجتمع المدني. كان هذا قبل رحيل جورج بوش بفترة. والسؤال يعبّر عن قلق من يوم الغياب المفاجئ للرئيس مبارك. يومها لم تخرج إجابة كاملة مقنعة. الإجابات مختصرة وحماسية، جاهزة وساذجة أحياناً. تحدّث ضيوف الأميركي عن بديل متوقَّع (الجيش) وآخر منطقي (التسلسل الدستوري) ومراهق (القضاة). كانت يومها حركة «كفاية» في بداية أفولها الطويل. لم يذكرها أحد. لكن هناك من لم يحرم الأميركي نبرة حماسية اختارت «تحالف القوى الوطنية» لترشّحه بديلاً يحرك العواطف الشعبية النائمة في يأس غامق. بوش كان مشغولاً بالبحث عن بديل، واعتمد أسلوب الضغط العنيف على النظام، وجرّب تدعيم بعض «البدائل» بنحو سافر أحياناً. وقتها كانت القنوات مفتوحة مع أربع جهات على الأقل: مبارك والمؤسسات الموصوفة بالسيادية و«الإخوان» وحركات التغيير.
تولّد عن الضغط غضب وانفعال وعلاقات قلقة بين القاهرة وواشنطن. توترات فتحت المجال قليلاً، وأجبرت النظام على فك قبضته إلى حدّ يسمح بظهور صحف مستقلة وحركات احتجاج، ويسمح بنقد وشتيمة، سمعها الرئيس بنفسه من نافذة حجرة مكتبه في قصر العروبة. انتهت مرحلة بوش من دون تغييرات كبيرة؛ فقد استوعب نظام مبارك الضغوط بمرونة بالغة وبتغيير أسلوبه من المواجهة المباشرة مع المعارضة بالمنع والمطاردة والإلغاء، إلى أسلوب الرمال المتحركة. امتصّ النظام معارضته، وأغرقها في بحر رمال كبير، لتتوه بمجرد محاولة الخروج من لزوجته.
الآن النظام في وضع أكثر راحة مع مرحلة أوباما. أسلوب الرجل مختلف تماماً، يضع الأنظمة المتحالفة معه في إطار واسع يستوعبها بلا ضغط. يدرس الملفات بهدوء، وينصح فقط للحفاظ على التوازن المطلوب. مصر بالنسبة إلى أميركا هي رمّانة ميزان تضمن سلامة الجيران (إسرائيل) والاعتدال في إدارة ملفات خطيرة (فلسطين أولاً... والسودان أحياناً)، وضمان توازن استراتيجي مع قوى صاعدة (إيران). من هنا أهمية الحفاظ على التوازن في مصر. والتوازن يحتاج إلى قوة كبيرة، وخصوصاً في مرحلة قلق الخلافة التي تعيشها مصر. ولأن نظام مبارك روّض الجميع بالرمال المتحركة في استعراض حوّل فيه المرشحين المحتملين لمنافسته، إما إلى معارضة أليفة (من «الوفد» إلى «التجمع» مروراً بالناصريين)، وإما إلى معارضة مشاغبة غير مستقرة (الإخوان المسلمون). ضربات النظام للإخوان المسلمين يبرّرها النظام للمهتمين في البيت الأبيض بأنها للدفاع عن الدولة المدنية في مواجهة المد الأصولي، الذي لم يقدّم بديلاً سياسيّاً، لكنه قدم تشويشاً وإزعاجاً للنظام. أداء الإخوان أقرب إلى أداء شريك مزعج فرضته الظروف الدولية، عندما كان بوش يريد إدماج الإسلاميين في النظم السياسية. مرحلة انتهت ومات تأثيرها، لكن لا يزال النظام يختار خصمه: الإخوان. ويشعل عبر تضخيمه، أصابعه الفاعله في المجتمع. يشحن طاقته الفاعله كلها ضد عدوّ واحد كي لا تنام الطاقات المعتادة، في معارك يعرف الجميع نتائجها قبل أن تبدأ.
الانتخابات هنا بروفة، مجرد تمرين عملي للقبضة الحديدية… وهذا ربما سر قلق واشنطن.

تغيير «الوفد» vs البامبرزضحالة الانتخابات وما سينتج منها انسحبا على الإعلانات الانتخابية. إهانة يومية للمشاهد بدعايات مضحكة إلى حدّ البكاء. حزب «الوفد» مشارك في الاستحقاق ليكمل مشهد المسخرة التي تريدها السلطة لإكمال الديكور المعارِض
ظلّ يضحك ويضحك ويضحك حتى دمعت عيناه. لا يصدّق ما يراه، يعيد المشهد مجدداً، ومع كل إعادة مزيد من الضحك والدموع والدهشة من الجميع: مَن يقف وراء هذه الحملة؟ اللقطات الأولى: فلاح لا يخفي وجهه ملامح البؤس. يتمدّد على بطنه، يرفع ملابسه الريفية قبل أن يضرب الطبيب حقنة في جسده وصوت يقول مصاحباً مشاعر الألم المفتعلة: «حقنة التغيير بتوجِّع بس حتريِّح…». وبعدما تغيّرت ملامح الفلاح التعيس إلى الراحة والابتسام، يقول الصوت من جديد: «جرِّب علاج الوفد…».
هنا فقط يمكن أن يدرك المتفرج أن هذا إعلان حزب سياسي، وليس سلعة ولا حملة من أجل الحفاظ على الصحة. الإعلان خادع، يظنّه المتفرج ساخراً من شيء ما، لكنه بعد استكمال المتابعة، ستصدمه الرسالة الجدية التي تطالب بانتخاب حزب «الوفد» برمزَيه: النخلة والميزان، أي الخير والعدل. الجدية هنا في وضع مبتذل يساويها مع السخرية.
كأنّ صاحب الرسالة يقدمها في صورة لا يمكن أن يقدمها إلا الساخر منها. إنه الوعي الذي يكشف ركاكة وسطحية، لا يخفيها صاحبها، بل يتخيل أنها اكتشاف عميق، وفاهم للواقع السياسي.
تحوّل الإعلان إلى مسخرة انتشرت على «اليوتيوب» تحت اسم «حقنة التغيير»
ينافسها إعلان «بامبرز التغيير»، يظهر فيه شخص يغيّر ملابسه وصوت من الخارج يقول: «في ناس بتتصوّر التغيير كده». تتغيّر الصورة إلى أمّ تغيّر الحفاض (المعروف شعبياً باسم أول ماركة وصلت إلى مصر، وهي البامبرز) لطفلها، والصوت يواصل: وفي ناس بتتخيل التغيير كده، ويستمر الصوت: لكن التغيير مع الوفد كده، وهنا تصبح الصورة عربة خشبية تحمل هرم من الطماطم وتضع عليه سعر 2 جنيه.
الركاكة هنا تصوّر وعياً مبتذلاً لدى جمهور الحملة الإعلانية، وذلك من مصممين لا يملكون وعياً أكبر، ولا مختلفاً. الركاكة اكتشاف الجاهل لطريقة في الوصول إلى جمهور، يتخيّله جاهلاً، لبيع سلعة يعرف أنها فاسدة.
الحملة جرت في ظل رئاسة الدكتور السيد البدوي، وبأدوات قريبة من خبراته المباشرة: أدوية وحفاضات أطفال، وهو جامع ثروته من بيزنس الصيدلة ومستحضراتها.
استسهال يليق بمن حصلوا على تصاريح بالعمل في ظل النظام الحديدي، الحياة ضيقة جداً لمن يملكون هذه الثروات الهائلة، بإشارة خضراء، ويؤدون أدواراً بإيماءة، ويجدون طريقهم بسهولة لافتة.
الحملة نافست ركاكة الحزب الوطني الحاكم، التي صيغَت بمفهوم تحويل السياسة إلى سلعة، لكنها تعتمد على تراث من الخطابات الوطنية الاستهلاكية، وعلى مخزون من أفكار رعاية الدولة.
حملة الحزب الوطني الحاكم شعارها: «علشان تطمِّن على مستقبل أولادك»، وهي تروِّج لأفكار قامت عليها تربية الشعوب المطيعة منذ قيام ثورات الجنرالات. أفكار منتهية الصلاحية، وفسدت من طول استخدامها في معزل عن المناخ الذي عُبِّئَت فيه: زمن ثورات تبيع الحنان للشعب في مقابل الولاء المطلق للزعيم الملهِم.
ورغم كل هذا، فإنّ شعارات الحزب الحاكم أكثر تماسكاً من شعارات صاغها تاجر عجول، لم يلتفت إلى الفرق في المجال، ولا في خصوصية المجال المعتمد على الأفكار والقيم وخبرات الشعوب والحكم والسلطة، وهي عناصر لا يمكن التعامل معها بشطارة تاجر، أو بمهارة بائع لا يعرف عن بضاعته أكثر من السعر الذي دفع فيها.
«الوفد» في مرحلة جديدة، اختارته السلطة ليكون شريكها في برلمان لا ينفرد «الإخوان» فيه بالمعارضة، لكنها كالعادة أرادت أن تترك علامة بارزة على من تختار له دور كي لا يغريه دور أكبر من الذي يريد النظام أن يمنحه له. بالتعبير الشعبي، النظام «علّم» علي البدوي، وورّطه في قصة ذبح صحيفة «الدستور» كي يظل تحت السيطرة.
ثم عاد البدوي إلى حزبه مثقلاً بفضيحة، ومدفوعاً إلى أداء دور «الحزب الكبير»، مُزيحاً تاريخ «الوفد» لمصلحة خلطته العصرية: عضوية جديدة من نجوم اللحظة الراهنة في الرياضة والصحافة والفتاوى الدينية، ومقتطفات ونتف من أفكار تضرب في التاريخ العلماني للحزب.
الحزب الكبير سيصل إلى نهاية الانتخابات ممزَّقاً بين هذه السطحية المفرطة، وتاريخه الأقرب إلى الوقار، في تكوين ممسوخ يشبه اللحظة كما لم يستطع أن يشبهها الحزب الحاكم نفسه.
التكوينات عصيّة على تصنيف سياسي معروف، كذلك فإن ما يحدث لا يمكن توصيفه وفق ما وصلت إليه أفكار العلاقة بين الاقتصاد والسياسة.
الدكتور البدوي يشبه طريقته في جمع الثروة: صاحب توكيلات تجارية، أكثر من كونه رأسمالياً صناعياً (رغم أنه يمتلك مصانع). توقّف نموه العملي عند تقبُّل عطايا الدولة ومِنَحها ورضاها، ونقل هذا بالتبعية إلى الحزب وهو يزيح محمود أباظة، ابن ارستوقراطيته القديمة. يبحث عن مموِّل أكثر من بحثه عن رئيس حزب. يملك قدرات التجديد والنقل الفكري والاجتماعي للحزب، كما حدث عندما انتقل «الوفد» من الزعامة التاريخية (سعد زغلول) إلى تكنوقراط السلطة (مصطفى النحاس) بمشاركته الفعالة في تكوين حزب القوى الساعية إلى الاستقلال. الانتقالات هنا من داخل تاريخ الحزب الذي شهد نقلات أخرى مع تسلل ملاك الأراضي والاقطاعيين مع فؤاد سراج الدين، الذي طوّع الحزب في مرحلة الوئام مع النحاس، وجعله ممثِّلاً لقطاعات معادية لثورة يوليو، ثم مواجهة للسادات، لكن قوامه الليبرالي ظلّ متماسكاً إلى أن وصل البدوي، مفتِّتاً الحزب، وصانعاً مسخرة لا يمكن أن تُنسى من كثرة ما تثيره من ضحك.