تفترض بعض الدراسات أن الأشخاص الذين يتناولون كثيراً من الحلوى يصبحون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، مرض السكّري من النوع الثاني والسرطان، لكن السكَّر ربّما لا يكون هو المسؤول الوحيد عن كل ذلك، وفق تقرير نشره موقع «بي بي سي فيوتشر» (BBC Future) يبحث في نتائج الدراسات المتعلّقة بهذا الأمر. فهل يجب أن نتوقف عن تناول السكَّر حفاظاً على صحَّتنا؟


«شيطنة» السكَّر؟
خلافاً لما كان سائداً قبل نحو 80 ألف سنة، حين كان البشر يحصلون على السكَّر لبضعة أشهر فقط في العام، وذلك في موسم نضج الفاكهة، يأتينا السكَّر الآن طوال أيام السنة وبسهولة أكثر. لكن غالباً ما يكون ذا قيمة غذائيّة أقلّ، من خلال تناول مشروب غازيّ على سبيل المثال. وعليه، يمكن التنبّه إلى أنّ جرعاتنا الحالية من السكَّر هي «أقلّ فائدة للصحة مقارنةً بحياة أجدادنا»، وفق تقرير «بي بي سي». فقد أصبح السكّر اليوم العدوّ الأول للصحة العامة، وباتت الحكومات تفرض على استهلاكه مزيداً من الضرائب، كما ينصح بعض الخبراء بإلغائه تماماً من الأنظمة الغذائيّة.
لكن حتى الآن، يواجه العلماء صعوبة لإثبات تأثيره السلبي على صحة البشر، وثمّة أيضاً مناقشات مستمرة تفيد بأن تشويه أو «شيطنة» نوع واحد من أنواع الطعام أمر له مخاطره، وقد يدفعنا إلى المجازفة بالتخلص من بعض الأغذية الضرورية في حياتنا.

مشروب الذرة المُحلّى بالفركتوز المركّز هو السبب الرئيسي وراء أزمة البدانة في أميركا (أ ف ب )

شراب «الغلوكوز»: الأكثر تدميراً للصحة
يشمل مصطلح «السكّر» أنواعاً عديدة، مثل سكّر المائدة، مواد التحلية، العسل وعصائر الفاكهة، لكنّه في الغالب يشير إلى تلك المادة التي تُستخلص وتنقّى لتُضاف إلى الغذاء والمشروبات لتحسين مذاقها. لكن السكّر يعد مصطلحاً «فضفاضاً» للتعبير عن الكربوهيدرات البسيطة والمركّبة، تلك التي تتحلّل خلال عملية الهضم لتتحوّل إلى مادة الغلوكوز (Glucose) وتستخدمها كل خلية في الجسد لتوليد الطاقة، وتغذية الدماغ.
تشمل الكربوهيدرات المركّبة الحبوب والخضراوات، أما الكربوهيدرات البسيطة، وهي أكثر سهولة في الهضم والأسرع في إطلاق السكر في مجرى الدم، فتتضمّن السكريات الموجودة بشكلٍ طبيعي في الأغذية التي نتناولها في صورة «فركتوز»، «لكتوز»، «سكروز»، «غلوكوز»، وغيرها من المواد السكرية الأخرى. وهي مواد قد نجدها في مشروب الذرة (شراب الغلوكوز) المُحلّى بالفركتوز المُركّز، الذي يصنعه الإنسان بنفسه ليضيف إليه هذه المادة السكرية.
في فترة الستينيات من القرن الماضي، أدّى تطوّر عمليّات تحويل الغلوكوز إلى فركتوز إلى ابتكار شراب مُحلّى بالفركتوز، وهو شراب مركّز من الغلوكوز والفركتوز معاً. وهذا الخليط القوي هو الذي يعدّه الكثير من خبراء الصحة العامة «النوع الأكثر تدميراً للصحة»، وهو أيضاً ما يفكّر فيه كثير من الناس في الولايات المتحدة تحديداً عندما يذكرون كلمة «سكّر».

السكر ومعدلات السمنة: العلاقة فضفاضة
في الفترة ما بين 1970 و1990، تضاعف استهلاك شراب «الغلوكوز» عشرات المرات في الولايات المتحدة أكثر من أي نوع آخر من الأطعمة. ويشير باحثون إلى أن ذلك يعكس زيادة معدلات الإصابة بالسمنة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وربّما يعود ذلك إلى أن ذلك المشروب لا يؤدي إلى زيادة هرمون الـ«لبتين» (Leptin)، وهو الهرمون المسؤول عن شعورنا بالشبع.
لكن المشروبات السكرية، ومنها مشروب الذرة المُحلّى بالفركتوز، كانت ولا تزال محلّ دراسات عديدة تبحث في تأثيرات السكر على صحة الإنسان. وقد توصّل تحليل موسّع شمل 88 دراسة، إلى وجود علاقة ما بين استهلاك مشروبات سكرية وزيادة وزن الجسم. بيد أن الباحثين خلصوا إلى أنه بينما تزايدت معدّلات تناول المشروبات الغازية والسكّر المضاف، بجانب زيادة معدلات السمنة في الولايات المتحدة، فإنّ البيانات عبّرت فقط عن وجود علاقة فضفاضة بين تلك المشروبات والسمنة.
ولا يتّفق الجميع على أنّ مشروب الذرة المُحلّى بالفركتوز المركّز هو السبب الرئيس وراء أزمة البدانة في أميركا. ويشير بعض الخبراء إلى أن استهلاك السكّر بات يتراجع خلال العقد الماضي في بعض الدول - ومن بينها الولايات المتحدة - حتى في ظلّ زيادة معدلات السمنة.
وهناك أمراض مثل السمنة والسكّري انتشرت بشكل وبائي في مناطق تعرف بقلّة استخدام مشروب الذرة المُحلّى بالفركتوز المُركّز، أو عدم وجوده من الأساس، مثل أستراليا وأوروبا.
وليس مشروب الذرة هو المشروب السكّري الوحيد الذي يُنظر إليه كمشكلة، فالمواد السكرية المضافة، وخاصة الفركتوز، تعدّ مسؤولة عن العديد من المشكلات الصحية.
كما يُعتقد أن الفركتوز يسبّب مرض القلب. فبينما تؤدّي خلايا الكبد وظيفتها في تكسير الفركتوز، فإنّ أحد المكونات النهائية الناتجة هي مادة تعرف باسم «تريغليسريد» أو الدهون الثلاثية، وهي مادة يمكنها أن تتراكم في أنسجة الكبد بمرور الوقت، وحينما تنطلق في مجرى الدم يمكنها أن تُسهم في نمو جدار من الدهون داخل الشرايين.
وتدعم دراسة أجريت منذ 15 عاماً هذه النتيجة، فقد توصّلت إلى أنّ الأشخاص الذين يستهلكون 25 في المئة أو أكثر يومياً من السعرات الحرارية في صورة سكّر مضاف إلى الأطعمة أو المشروبات، كانوا أكثر عرضة للوفاة من مرض القلب بنسبة الضعف، مقارنةً بمن يستهلكون أقل من 10 في المئة فقط من السعرات الحرارية.
كذلك، فإنّ مرض السكّري من النوع الثاني يُعزى إلى جرعات السكّر المضافة، بحيث توصلت دراستان كبيرتان في التسعينيات إلى أن النساء اللاتي يستهلكن أكثر من مشروب غازي واحد أو عصير فاكهة واحد في اليوم، كنّ أكثر عرضة أيضاً بنسبة الضعف للإصابة بمرض السكّري من النوع الثاني، مقارنةً بنظيراتهن اللاتي نادراً ما يفعلْنَ ذلك.

الأدلة محدودة على أن السكر المضاف يتسبب مباشرة في الإصابة بمرض السكري (أ ف ب )

الدراسات ليست كافية؟
لكن مرة أخرى، ليس من الواضح أن ذلك يعني أن السكّر يسبب بالفعل مرض القلب أو السكّري بصورة مباشرة. وفق تقرير «بي بي سي»، يُعدّ الدكتور لوك تابي، أستاذ الفزيولوجيا في جامعة لوزان، واحداً من العديد من العلماء الذين يرون أن السبب الرئيس وراء أمراض السكّري والسمنة وارتفاع ضغط الدم، هو الجرعات الزائدة من السعرات الحرارية، وأن مادة السكر هي مكوّن واحد فقط من ذلك. ويقول تابي إنّ «اكتساب جرعات من الطاقة بصورة أكبر دون تخلّص الجسم منها سوف يؤدّي، على المدى البعيد، إلى تراكم الدهون ومقاومة الأنسولين والكبد الدهني، مهما كانت مكونات النظام الغذائي». بيد أن اكتساب جرعات كبيرة من الطاقة قد يكون مسموحاً فقط للأشخاص الذين لديهم توازن بين جرعات الطاقة التي تخرج من أجسامهم، وتلك التي تدخل إليه، حتى من خلال نظام غذائي غنيّ بنسبة الفركتوز أو السكّر. ويشير تابي إلى أن الرياضيين، على سبيل المثال، يستهلكون في الغالب نسبة كبيرة من السكريات، لكنهم أيضاً لديهم معدلات أقل من أمراض شرايين القلب والأوعية الدموية، وهو ما يعني أن تلك النسبة العالية من الفركتوز لديهم تمر بعملية تمثيل غذائي خلال التدريبات الرياضية لتزيد من قوّة أدائهم.
عموماً، لا تزال الأدلة محدودة على أن السكّر المضاف يتسبّب مباشرة في الإصابة بمرض السكّري من النوع الثاني، أو أمراض القلب، أو البدانة، أو السرطان. صحيح أن المستويات العالية من جرعات السكّر ترتبط بمثل هذه الأمراض، لكن التجارب السريرية لم تثبت بعد بصورة قاطعة أن السكر المضاف يسبب هذه الأمراض.

تصوّر خاطئ
بينما تنصحنا الإرشادات الصحية الحالية بأن لا تتجاوز جرعات السكّر المضاف في غذائنا أكثر من خمسة في المئة من جرعتنا اليومية من السعرات الحرارية، يقول رينيه ماكروغر، اختصاصيّ التغذية، إنه من الضروري أن نفهم أن «أيّ نظام غذائي صحّي ومتوزان يختلف من شخصٍ إلى آخر».
يضيف قائلاً: «أعمل مع رياضيين يحتاجون إلى تناول مزيد من السكّر عند أداء تدريبات قاسية، لأنه سهل الهضم. لكنهم يقلقون من أنهم يتجاوزن نصائح الصحة العامة». لكن بالنسبة إلى غير الرياضيين، لا يعدّ السكّر المضاف ضرورياً لنظامهم الغذائي الصحي، لكن بعض الخبراء يؤكّدون أنه لا يتعيّن علينا أن نتعامل معه كمادة سامة. ويقول ماكروغر إنه ليس من الصحي أن نصنّف الأغذية على أنها جيدة أو سيئة، لأنّ تحويل السكر إلى مادة «محرّمة» قد يجعل منها مادة مغرية لبعض الناس.
فالبعض قد يمتنعون عن تناول السكر المضاف والفاكهة الطبيعية كذلك، ويرون أن أي صورة من صور السكر قد تكون ضارة من الناحية الصحية، وهذا تصوّر خاطئ.
وبينما هناك اختلاف بين الخبراء حول أنواع السكّر التي تؤثّر في صحّتنا، فإنّ المفارقة هي أنّنا قد نكون أحسن حالاً إذا توقّفنا عن التفكير كثيراً في ذلك الأمر. ويخلص ماكروغر إلى أننا «صعّبنا على أنفسنا مسألة التغذية، لأن ما يبحث عنه كل شخص فينا من الأساس هو الحاجة إلى الشعور بالكمال، والمثالية، والنجاح، لكن هذا ليس موجوداً».