الأخبار - كابادوكيا

تسوح فيها كأنّك تعيش هناك فعلاً، واليوم تقضي جولة سياحية في المستقبل. التاريخ يعود ناصعاً إلى الحياة هنا، يعود في أفق تلك المساحات الهائلة التي يقطعها المرء لتفقّد كلّ شبر من مملكة تاهت خلال حقبات كثيرة تصارعت فيها السيوف، والطموحات السياسية وحتّى الأديان. يعود اسمها إلى أواخر القرن السادس قبل الميلاد. إلى زمن ملكين شهيرين، داريوس وكزيريكسيس، في معرض وصف لبلدان تابعة للامبراطورية الفارسية.

الأرجح أن معناه هو «أرض الأحصنة الجميلة». يرد الاسم أيضاً في الكتابات الإنجيلية للحديث عن أرض مجموعة من الناس استمعوا إلى تعاليم المسيح في مناسبة «اليوم الخمسين» ــ وهي مناسبة نزول التوراة في الديانة اليهودية و«ولادة الكنيسة» في الديانة المسيحية – مباشرة بعد قيامة المسيح. من كثافة الأعلام التي تلوح على قمم الهضاب وفي مقاصدك السياحية، تجزم أن كابادوكيا أرض تعتز بها تركيا، منذ أن بدأ بعض عشائرها بالاستقرار مع نهاية القرن الحادي عشر، وتحديداً بعد معركة مانزيكيرت عام 1071، التي انتصر فيها السلاجقة على نفوذ الجيش البيزنطي في الاناضول وأرمينيا. تحوّلت المنطقة تدريجاً إلى مقاطعة تركية ومعها تحوّل بعض سكانها إلى الديانة الإسلامية متأثراً بالحاكم الجديد أو مقتنعاً بتبشيراته. غير أن السكان الإغريقيين – البيزنطيين هجروا كلياً منطقتهم الوعرة والخلابة في آن إلى ساحل البحر الأيوني؛ هرباً وفي الوقت نفسه حفاظاً على خصوصية في مرحلة كانت تمهّد لنشوء امبراطورية جديدة.
بَسَطَ سلاجقة الأناضول سلطة مطلقة مع انطلاق القرن الثاني عشر. ولكن في النصف الثاني من القرن اللاحق ضعفوا. أطاح بهم التاريخ المجنون نفسه ليأتي بالامبراطورية العثمانية حاكمة مطلقة لقرون مقبلة.
هي مهد المسيحية من منظور الزائر المستمع بشغف إلى تلاوة مشوّقة للتاريخ. تلعب المخيلة عند درجاتها القصوى إلى حد أن صخرة تعاملت معها عوامل التعرية تظهر للسائح على شكل العذراء مريم حاملة الطفل يسوع، في منطقة غوريمي. هذه المنطقة مصنّفة على أنها إرث عالمي من قبل منظمة الأونيسكو. تأسرك فيها المنازل المحفورة بالصخر، الحجارة البركانية والمركّبات الصخرية التي حوّلتها الطبيعة في بعض الأحيان لتأخذ أشكالاً مخجلة!
تحوّلت غوريمي إلى مركز كهنوتي بامتياز بين بداية القرن الرابع ونهاية القرن الثاني عشر. تحوي أحد أشهر المقاصد السياحية والدينية في وسط تركيا: مجمع الكنائس الشهير القابع في الصخر. هو متحف في الهواء الطلق؛ محجّة للمؤمنين. يُمكنك تفقده من السماء إذا آثرت نقل تجربتك في كابادوكيا إلى مستوى آخر وتفحّصها من مقصورة مئات المناطيد التي تحلق يومياً.

للأسف استمرّ تناتش التاريخ في تلك المنطقة إلى أن استقرت الأمور على تبادل بشري فرّغها من ورثتها الحقيقيّين

قد تكون المنطقة أرض القيامة الفعلية لمسيحيي الشرق بعد الصلب. ليس الكهنة وحدهم من التجأ إليها لإطلاق حياة جديدة في تضاريسها البركانية، فحتّى العذراء مريم مرّت بها. تقول الرواية – بناءً على رؤية الراهبة الرومانية آن كاثرين إيمريخ (1774 – 1824) - إنّ القديس يوحنا أحضرها إلى «جبل العندليب» حيث سكنت منزلاً (Meryem Ana Evi) تحول بدوره إلى محجّة، باركها البابا مار يوحنا بولس الثاني.
ورغم أنّ لا دلائل تاريخية فعلية على انتقال العذراء إلى هذه المنطقة التي تقع إلى الغرب من كابادوكيا التاريخية، إلا أنّ الرؤية حوّلت الموقع إلى معلم ديني/ سياحي أخّاذ قابع بين الشجر والورود على قمة جبل أخضر. الموقع تابع لمقاطعة إزمير ومشهور بالمدينة التاريخية إيفيسوس التي تشهد على إبداع الإغريق والرومان من بعدهم، والتي يُعتقد أنها كانت تحوي 250 ألف نسمة في القرن الأوّل قبل الميلاد، لتكون إحدى كبرى مدن المتوسط في ذلك الزمان – وفي العالم أيضاً – وتُعد شاهداً إضافياً على عظمة تلك البقعة الوسطى من تركيا الحديثة.
لا مجال للمجادلة وللفصل بين التأثير الذاتي وموضوعية التاريخ. كابادوكيا تُلهب فيك مشاعر التاريخ. هي الأناضول كما عهدته الشعوب القديمة. اليوم تُصنّف إلى الشرق منه. ترتفع ألف متر عن سطح البحر تخرقه قمم بركانية؛ وتصل إحدى القمم إلى ارتفاع 3916 متراً. تحدّها سلسلة جبال طوروس من الجنوب. لدى الانتقال من أضنة إلى مقصدنا نخرق تلك الجبال الشهيرة المسماة تيمناً بإله العواصف في الشرق الأدنى قديماً («الثور»). الرهبة موجودة دوماً. غير أنّها لا تصل إلى ذروتها إلا عند البدء بالرحلة الحقيقية في ملجأ المسيحيين ومهّد قيامتهم.
مدينة كايماكلي تقع تحت الأرض – ومثلها أيضاً ديرينكويو، اوزكاناك وغازيمير. تصل إلى خمسة طوابق صوب مجهول بقي أرحم من الغضب الذي كان يدبّ على المعمورة. دهاليز تفوق الخيال المنطقي، لدى مقارنة مشهدها بقدرة شعوب تلك الأزمنة وتفكيرها. غرف حقيقية لا توحي بأنّها ملاجئ. مقسّمة بين الجلوس، النوم، المطبخ وحتّى الحيز الخاص لصناعة النبيذ. تخرق هذا البناء الجوفي نزولاً فتحة طولية ينفذ منها الهواء إلى الغرف في كلّ طابق. يستسلم كثيرون للارتياب الشديد بعد بقائهم بضع دقائق بين تلك الجدران محاولين الانتقال عبر المعابر الضيقة. أمام هذه الحالة تتساءل كيف روّض الخائفون أنفسهم للعيش تحت الأرض هرباً من السيوف المسلّطة على رؤوسهم تحت أشعة الشمس.
دوافع الخوف كانت كثيرة منذ أن كانت المنطقة نقطة مركزية في امبراطورية الحثيين في نهاية العصر البرونزي (3600 ق. م. - 1200 ق. م.). تصارعت عليها الممالك إلى أن تأسست كابادوكيا كمملكة في عهد الاسكندر الكبير وحكمها بازدهار أرياراثيس (332 ق. م. – 322 ق. م.). بعد وفاة الاسكندر دخلت في صراعات جديدة. خلال القرن الأخير قبل الميلاد ورغم دعم روما لها تمكّن جيش أرمينيا – التي طالما ربطتها بها علاقة متبدلة – من اجتياحها، قبل أن يطيحه الرومان عام 63 ق. م.
الحروب الأهلية الرومانية في تلك المرحلة بدّلت حكاماً وولاءات كثيرة في تلك المنطقة، إلى أن حلّ استقرار نسبي قائم على الاستقلالية عن الامبراطورية الرومانية، استمر حتى عام 17 ميلادية حين عمد الامبراطور تيبريوس إلى خفض مرتبتها إلى مقاطعة رومانية صغيرة. هذا السرد ضروري لمحاولة إعادة رسم أحوال شعب في منطقة تناتشتها طموحات النفوذ والتمدّد. شعب آثر في كثير من اللحظات الاختباء في المدن الجبلية وتحت الأرض. مع بدء انتشار المسيحية وقبل أن تُصبح ديانةً مقبولةً اجتماعياً وجد معتنقوها في تلك المخابئ منفذاً. جهزوه بأفخاخ عديدة. تصميمها يقوم على فذلكة ذكية للدهاليز: صخور كبيرة تسدّ المداخل لصد الهجوم، أو تُقفل الفتحات الفوقية التي يُمكن أن يستخدمها الأعداء لرمي الرماح.
يأسف المؤرخون لدى استذكار الكثير من تلك الحقبة. "للأسف استمرّ تناتش التاريخ في تلك المنطقة إلى أن استقرت الأمور على تبادل بشري فرّغها من ورثتها الحقيقيّين"، يقول أستاذ التاريخ الذي يرافقك طوال تلك الرحلة التي تمتد قرابة 1400 كيلومتر براً بين أضنة وإزمير. هو يُشير إلى نهاية قصّة كابادوكيا الحية حين جرى تبادل للسكان بين تركيا واليونان عام 1923 لينتقل آخر ناقلي اللغة اليونانية – الكابادوكية إلى مجموعة الجزر المتوسطية.
غير أن تاريخ المنطقة لا ينتهي. تشعر بنبضاته مع سماع قصة كل وادٍ، كنيسة أو آثار خلابة. تشعر بها مع تفقد مداخن الجنيّات. صخور حفرتها قوى الطبيعة لتُشكّل بيوتاً نموذجيّة وكأنّ الارض تخاطبت مع الآلهة ونسّقت معها تكيّف أهل الأناضول القديم ليبقوا فيه ويكتبوا قصة كابادوكيا.