إنّ محاولات التأثير في عملية اتخاذ القرار هي مهمة أساسية لا تملك نتائج ثنائية، بل تتعدّى هذا النطاق لتشمل خيارات أوسع وأشمل. غير أنّ التفاعل مع هذه المحاولات ليس بالضرورة أن يكون إيجابياً وذلك لعدّة أسباب منطقيّة كضعف إلهام الشريحة المستهدفة من عمليّة التأثير وعدم تحقيق رغبتها والتوقيت الخاطئ في التوجّه إليها.


ونظراً لحتميّة الاختلاف في الرغبات والاهتمامات، يصبح التفاعل والاستجابة مع محاولات التأثير ومغرياتها أمراً نسبيّاً تشبعه المنافسة بين المؤسّسات التجاريّة لما ينجم عنها من تعدّد في الاختيارات.
فكيف إذا تعرّض هذا الجمهور المستهدف لهذه المحاولات من قبل المؤسّسات المصرفيّة؟؟
على عكس معظم المؤسّسات الأخرى التي تتوجّه فقط الى جنس محدّد أو الى فئة محدّدة من المجتمع، تُزيل المؤسسات المصرفية كلّ الصفات المرافقة للشخص الذي يتعامل معها ليغدو مجرّد "زبون" بصرف النظر عن جنسه أو عمره أو حتّى مهنته. ذلك أنّ هذه الصفات لا تندرج في دائرة التصنيفات من حيث أهميّة الزبون لجهة وضعه المالي ومدى نفوذه.
أمّا من جهة "الزبون" - رجلاًً كان أو امرأة - فإنّ أفضل تقنيات التأثير الذي يستجيب لها هي تلك التي يستخدمها بنفسه، بحسب القوانين العشرة للتأثير. فهل يختلف اختيار المرأة للمصرف التي تودّ التعامل معه عن اختيار الرجّل، وعلى أيّ أسس تحدّده؟

الفوائد تتحكم

لا يوجد سبب موحّد يدفع المرأة اللبنانية عموماً إلى التعامل مع مصرف ما دون سواه. فبتعدّد الأسباب، يبرز الاختلاف واضحاً في عمليّة الاختيار بين امرأة وأخرى. إلاّ أنّ السبب الأبرز الذي أجمع عليه عدد من النساء هو نسبة الفوائد المعطاة مقابل الحسابات المجمّدة أو المدفوعة على القروض، ما يسهّل بالتالي عمليّة انتقاء المصرف المناسب لهنّ، فيقع الاختيارعلى أدنى عرض يقدّمه مصرف ما لقيمة الفائدة التي يستحقّها القرض الشخصيّ أو القرض المأخوذ لتسديد أقساط شيء مقتنى (كسيارة أو شقّة سكنية) أو أقساط جامعية مثلاً. أمّا الحسابات المجمّدة، فكلّما كانت قيمة فائدتها أكبر، حظي المصرف الذي يمنحها بزبائن أكثر. كحال لور زويل (28 عاماً) التي باشرت بفتح مشروع خاص بها (صيدليّة)، ما جعلها تتعامل مع المصرف الذي كانت قيمة فائدته على القرض الشخصيّ الذي أخذته أقلّ، ما جعل أيضاً نور طه (27 عاماً) تحسم خيارها عندما قرّرت أن تغيّر سيارتها.
كما أنّ للبعد الجغرافي دوراً في هذا الاختيار. تفضّل ريمي بيطار (25 عاماً) أن تتعامل مع المصرف الأقرب الى مكان العمل أو المنزل. أمّا سارة خازم (22 عاماً) فترى في تعدّد الفروع كما ماكينة الـ(ATM) عامل جذب وذلك لما يوفّره من سهولة قضاء حاجة مصرفية ما في حال الوجود في منطقة خارج نطاق السكن أو مكان العمل، إضافة الى الميزة الموجودة في بعض ماكينات الـ(ATM ) التي تسمح بالإيداع النقدي أو إيداع شيكات (CASH AND CHECK DEPOSIT)، ما يسهّل إدخال معاشها في حسابها الخاص في أيّ وقت.
من جهتها، تولي نغم حرب (25 عاماً) أولوية للمرونة في التعامل معها من قبل موظّفي/ موظفات البنك. كما تعطي أهميّة للوقت الذي تقفل فيه المصارف أبوابها. وأحياناَ تفرض المؤسّسة أو الشركة التي تعمل فيها المرأة اختيار تعاملها مع مصرف دون آخر، فتفضّل ميرنا سلامة (23 عاماً) عدم فتح أكثر من حساب مصرفيّ واحد في أكثر من مصرف، مكتفية بذلك الذي يوطّن فيه دخلها الشهريّ.
إنّ أسباب اختيار التعامل مع مصرف ما تختلف من امرأة الى أخرى باختلاف حاجاتهنّ وأولوياتهنّ. إلّا أن هذا الاختلاف يتشابه في مضمونه مع اختلاف حاجات الرجال واهتماماتهم.

مبادرة للتمكين

انفرد البنك اللبناني للتجارة (BLC) بإطلاق مبادرة تمكين النساء (We Initiative) منذ نحو عامين في محاولة منه للتميّز على صعيد التوجّه للمرأة وإدراجها ضمن سلّم أولويّاته. توجّهت هذه المبادرة في بادئ الأمر الى النساء في مجال الأعمال لتشمل بعدها صاحبات المشاريع والموظفات والأمهّات وسيّدات المنازل أيضاً. أمّا الهدف من إطلاقها، بحسب رئيسة مديرية التسويق في الـ(BLC) مايا مرجي يونس، فهو دعم القدرات الاقتصادية للمرأة التي تعاني من نقص في الخدمات وتمكينها ماديّاً من خلال تمويل المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة التي تمثّل 90% من التوظيف في القطاع الخاص.
وتضيف، إنّ هذه المبادرة تسمح بتعزيز حياة النساء المهنيّة والشخصيّة من خلال خدمات ومنتجات مخصّصة لهنّ، بما في ذلك توفّر منصّة فريدة ومبتكرة we-initiative.com تمكّن الأعضاء المشاركين من الاتصال والتواصل (Networking) في ما بينهنّ من خلال التسجيل على موقع المبادرة الإلكتروني، كما تفسح لهنّ المجال للاستفادة من فرص التعليم والتدريب من خلال النقاشات التي تدور مع خبراء واختصاصيين في كل المجالات، فضلاً عن المشورة والإرشاد (Mentorship). ولعلّ أبرز ما تتيحه هذه المبادرة هو تمكين المرأة من فتح حساب ائتماني لأولادها، بحيث يكونون هم المستفيدين الفعليين. فبمجرد أن يبلغوا الـ 18 من عمرهم، يمكنهم نقل الحساب إلى اسمهم بشكل تلقائي.
بالتوازي مع إطلاق هذه المبادرة، تمّ تحسين أداء الخدمة المصرفيّة. وعلى حدّ قول مرجي "باتت مقاربتنا للتعاطي مع النساء وحاجاتهنّ أكثر شموليّة وجدّية. فالمرأة عندما تقصد أحد المصارف، غالباً ما تصطدم بأسئلة تتمحور حول زوجها وحساباته عوضاً عنها، لذا ما نسعى إليه هو إعطاؤها التمكين الاقتصادي عبر خلق فرص متساوية للتطوّر والنمو". وتعتقد مرجي بأنّ الأغلبية يحتجن الى الثقة وإلى إيجاد البيئة الحاضنة التي تساعدهنّ على اتّخاذ الخطوة الأولى، على الرغم من كل المعوّقات.
وتماشياً مع استراتيجية البنك، نظًم المصرف هذه السنة، للمرة الثالثة على التوالي، جوائز The Brilliant Lebanese Awards التكريمية لتشجيع ريادة الأعمال في المنطقة حيث يتم منح الفائز في كل من الفئتين: أفضل امرأة مبادرة وأفضل مشروع جائزة بقيمة $30,000. أما جائزة People’s Choice Award، وهي جائزة تقديرية وغير نقدية فقط، فتحسم نتيجتها من خلال التصويت على Facebook.
أمّا من ناحية التجاوب مع هذه المبادرة، فتؤكّد مرجي أنّ هناك إقبالاًً نسائيّاً ملحوظاً. غير أنّ هذا التجاوب كان في بادئ الأمر مع الفكرة التي طرحت مساراً جديداً، مختلفاً عن ثقافة المصارف التي تتكلّم بلغة القروض والفوائد، ليجعل المرأة جزءاً من الدورة الاقتصاديّة، وخصوصاً أنّها تتناول شريحة تمثّل نصف الشعب اللبناني.

الإعلان عامل جذب مؤقّت

رافق إطلاق مبادرة (We Initiative) حملة إعلانية ترويجيّة تمحورت حول نقطة حسّاسة مفادها أنّه أصبح باستطاعة المرأة اللبنانية فتح حساب ائتماني لأولادها. فجاء هذا كحلّ جزئي لمعضلة عدم تخويل الأم فتح حساب دائن لولدها القاصر، ولو قامت هي بتغذية رصيد الحساب، حاصراً القانون اللبناني هذه المعاملة المصرفية بالأب فقط، صاحب الولاية الجبريّة.
تعتبر هذه الحملة "ناجحة" كونها تضمّنت عامل جذب مهمّ للمرأة، وبالتالي نجحت في الوصول إليها. ولكن، ماذا من ناحية التأثير لجهة تفاعلها مع المبادرة؟ يعتبر أستاذ الإعلان والعلاقات العامّة في الجامعة اللبنانيّة د. حبيب رمّال أنّ هذه المبادرة هي تجربة تسويقيّة جديدة في قطاع المصارف، لكّنها قد تكون خاطئة في تحديد الجمهور المستهدف، إذ إنّنا في هذا القطاع تحديداً لا يمكننا أن نتكلّم عن رجل وامرأة. وبرغم الشعارات، فإنّ المرأة الشرقية عموماً واللبنانية خصوصاُ غدت صاحبة قرار، واعية ومثقّفة وفاعلة في المجتمع لا تحتاج إلى مبادرة جهة ما لأخذ المبادرة بحسب رمّال، الذي قال "إنّ هذه المبادرة هي سلاح ذو حدّين، فإمّا أن تؤثّر إيجاباً فتستهدف المرأة التي تحمل عقدة الرجل وتعتبر نفسها أقلّ شأناً منه، وإمّا أن تستفزّها سلباً وبالتالي لن تتفاعل معها".
بعد نحو عامين على إطلاقها، أصبح هناك 1432 حساباً على موقع المبادرة الإلكتروني لأعضاء من الجنسين - غالبيّتها للنساء - من بينها 672 عضواً فعّالاً أي ما يقارب 43.78%. كما أوضحت الأرقام أنّ الشريحة الأكثر استهدافاً من هذه المبادرة هي تلك التي تعمل في مؤسّسات مصرفية ومالية بنسبة 7.54%، تليها تلك التي تعمل في مجال المحاسبة والتدقيق بنسبة 3.56% ومن ثمّ تلك التي تعمل في حقل التعليم والتدريب بنسبة 3%. أمّا عن العاطلين من العمل فقد بلغت نسبتهم 1.39%.