■ بداية، كيف تقيّمون الوضع الحالي للاقتصاد اللبناني على مختلف الصعد؟

لقد تغيرت أرقام النمو وفق التبدلات التي طرأت على الواقع اللبناني والإقليمي، إذ انخفض تقدير النمو في 2013 إلى 1%، ويتوقع أن ترتفع قليلاً عام 2014 لتبلغ بين 1.5% و2% استناداً إلى البرامج التحفيزية للتسليف التي يدعمها مصرف لبنان. ومع أنّ هذه النسبة ليست تلك التي نريدها، ولا يمكن مقارنتها بنسب تراوحت بين 8 – 9% تحققت قبل عام 2011، ولكن مقارنة بنسب النمو المسجلة في البلدان المجاورة، يمكن اعتبارها مقبولة. أكثر ما انعكست التداعيات على الاقتصاد اللبناني في قطاع السياحة الذي تراجعت عائداته بنسبة 20%، وفي تباطؤ النشاط التجاري الداخلي، كما في تراجع القطاع التجاري الخارجي، حيث سجلت الصادرات اللبنانية تراجعاً بنسبة 7.9% عام 2013، فيما لا تزال تتراوح بين الثبات والهبوط النسبي في العام الحالي، وما لذلك من انعكاسات على معدلات الاستثمار والتوظيف.

رغم ذلك، لا يزال الاقتصاد اللبناني يمتلك مناعة قوية وطاقات للنهوض، خصوصاً مع المؤشرات المشجعة المتمثلة بزيادة الودائع والرساميل في القطاع المصرفي، واستمرار نشاط الإقراض النوعي والتخصصي للمؤسسات بدعم من المصرف المركزي، واستمرار حركة البناء في القطاع العقاري، ما يعزز الثقة ويهيئ الأرضية فيما لو اتُخذت السياسات المناسبة للتعامل مع ثلاثة تحديات أساسية تواجهنا، وتتمثل بتحقيق الاستقرار الأمني، ووضع خطة واقعية للتعامل مع أزمة النازحين السوريين والحد من تفاقمها وتفاقم أبعادها الأمنية والمالية والاقتصادية، والبدء بضبط الإنفاق العام ومعالجة مسارب الهدر التي لا تزال تتوسع.

■ لا يبدو أن الصرخة أو الصرخات التي تطلقها الهيئات الاقتصادية منذ مدة تلقى آذاناً صاغية لدى المعنيين، ما الذي تنوون القيام به لدق ناقوس الخطر الاقتصادي، وإحداث تغيير إيجابي ما؟
الهيئات الاقتصاديّة، لها حيثيّة وجوديّة أساسية للبلد واقتصاده، وهي انسجاماً مع قناعاتها ودورها، لا بدّ أن ترفع الصوت وتتحرّك من أجل تصويب الأمور. وفي الوقت ذاته الهيئات الاقتصاديّة ليست من يمتلك القرار، وبالتالي إزاء هذا الواقع، ليس بمقدورنا سوى التحذير ونقل هواجسنا بشتّى الوسائل والإمكانات إلى القوى السياسيّة التي تمتلك بالدرجة الأولى مفاتيح الحل.

حرصت دائما على
إدخال ثقافة المسؤولية الاجتماعية في عملي
الخاص، كما في جميع المواقع التي عملت فيها
■ على الرغم من شعور أكثر اللبنانيين بأن الوضع الاقتصادي في البلد من سيء إلى أسوأ، لا يظهر بأن هناك خطوات إنقاذية عملية تتخذ لتجنيب الاقتصاد الوطني مزيداً من التدهور والتقهقر؟
لا بدّ من أن يتحمّل المسؤولون واجباتهم، لأنّ بقاء الأمور على ما هي عليه اليوم، واستمرار التباعد بين القوى السياسية سيؤدي إلى المزيد من التفاقم على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ما قد يدخلنا في متاهات نحن في غنى عنها. وإزاء ذلك، المطلوب الاحتكام إلى اللعبة الديمقراطيّة التي تستوجب انتخاب رئيس للجمهوريّة اليوم قبل الغد، بما يعيد ضخّ الروح، ويساهم في تفعيل عمل المؤسسات الدستوريّة، ويعطي دفعاً قويّاً للاقتصاد.

■ هل أنت مع الرأي القائل إن الأوضاع الأمنية في البلد لا تسمح بطرح الهواجس الاقتصادية في الوقت الراهن؟
على العكس من ذلك تماماً، فمن المهم في ظل الأوضاع الأمنيّة المقلقة التي تعيشها البلاد في الآونة الأخيرة اتخاذ القرارات الضرورية التي من شأنها أن تحصن الوطن واقتصاده وترتد إيجاباً على حياة المواطن والاقتصاد اللبناني.

■ يقال إن القنبلة الاقتصادية إن انفجرت ستكون أشد وقعاً وتأثيراً من القنابل الأمنية؟
صحيح أنّ الاقتصاد اللبناني أظهر مناعة قويّة إزاء الارتدادات الأمنيّة والسياسيّة التي عصفت بالبلاد في أكثر من مرحلة، وصحيح أيضاً أنّ الاقتصاد اللبناني لا يزال يمتلك المناعة التي تجعله واقفاً بالحد الأدنى على رجليه، لكن على الرغم من ذلك، لا بدّ أن نقول بصراحة إنّ الظروف ما بين السنوات الماضية واليوم تغيّرت كثيراً، ونحن نشاهد ما يجري من حولنا، حيث العديد من اقتصادات الدول المحيطة بلبنان تعاني واقعاً اقتصاديّاً صعباً.
وبالتالي، فإنّ بقاء الأمور على ما هي عليه اليوم من التعطيل وشبه الشلل الدستوري، سيرتدّ حتماً مزيداً من السلبيّة على القطاعات الإنتاجية، ولا سيّما قطاعي السياحة والتجارة، ما سيضع الاقتصاد اللبناني على المحك، فيما العالم مشغول عنا بألف قضية وقضية.

■ هل خسر لبنان مجدداً فرصة انتشال اقتصاده الوطني أم يمكن التعويض، وكيف؟
بالفعل، الاقتصاد اللبناني كان قادراً على تحقيق انتعاشة اقتصاديّة والاستفادة بشكل معيّن من التداعيات التي ترتّبت عن الأوضاع السائدة في بعض البلدان العربيّة، لكن للأسف، ولاعتبارات سياسيّة وأمنيّة عديدة، لم يتلقّف لبنان الفرصة لتحقيق في أقل الأحوال التوازن الاقتصادي وليس الطفرة الاقتصاديّة، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. ومع ذلك، فإنّ الفرصة لا تزال متاحة، من أجل التعويض عن الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد اللبناني في الفترة الماضية، بدليل أنّ الاقتصاد اللبناني استطاع أن يلتقط أنفاسه وشهد تطوّراً ملحوظاً، مباشرة بعد تشكيل حكومة الرئيس تمّام سلام في شهر شباط المنصرم.

■ أين يكمن دور القطاع الخاص اللبناني تجاه دفع المجتمع الدولي ليتحمّل مسؤولية أكبر في مساعدة لبنان على صعيد معالجة أزمة النزوح السوري؟
القطاع الخاص اللبناني، لم يوفّر أية وسيلة من أجل حض المجتمع الدولي، على القيام بمسؤوليّاته تجاه دعم الدولة اللبنانيّة لمواجهة أعباء النزوح السوري. وإنني شخصيّاً ومن موقعي كرئيس للهيئات الاقتصاديّة، بحثت هذا الموضوع مع العديد من المعنيين العرب والأجانب، ونقلت هواجس اللبنانيين تجاه العبء المتزايد عن النزوح السوري، إلى من هم في موقع القرار والمسؤوليّة، واستطعنا كهيئات أن نساهم ولو بشيء بسيط في معالجة بعض الأمور المتصلة بهذا الملف، ولكن في محصّلة الأمر، القطاع الخاص لا يستطيع أن يغيّر شيئاً في واقع الأمور، باعتبار أنّ الدولة تبقى المسؤولة عن مثل هذه الملفات الشائكة.

■ أين تكمن أبرز تحديات القطاع المصرفي اللبناني في الوقت الراهن ومستقبلاً؟
من الناحية التقنية، التحدي الأصعب يتعلق بتطبيق معايير «بازل 3»، والذي نجحت المصارف اللبنانية في إنجاز تطبيقه قبل عامين من الوقت المحدد بإشراف مصرف لبنان، لتكون من أوائل المصارف العربية والعالمية التي تقوم بذلك.
وهناك أيضاً تحديات أخرى تجاوزناها بفضل التزام المصارف اللبنانيّة معايير مكافحة تبييض الأموال، وتطبيق قانون الامتثال الضريبي «FATCA»، ما ساهم في تعزيز الثقة القوية أصلاً.