تشبه دعوات المسؤولين للمستثمرين للمجيء إلى لبنان، دعوة شخص ما مجموعة من الناس إلى حفل عشاء من دون أن يكون منزله مجهزاً لاستقبالهم، فيكتفي بأن يقدم لهم بعض المكسرات والجزر. صحيح أن الاستثمار يرتكز في كثير من الأحيان على المخاطر، وأن العديد من المستثمرين يجدون في البلاد والمناطق التي تعاني من أوضاع متردية ظروفاً مؤاتية للاستثمار البعيد المدى، إلا أن المشكلة في لبنان تكمن في أن «التعتير» كلفته عالية، لا بل عالية جداً.


كلفة التعتير في لبنان غالية (هيثم الموسوي)


كلفة عالية
أصدر معهد Mercer Institue تقريراً بعنوان «غلاء المعيشة 2019» الذي يقارن مستوى غلاء المعيشة للمغتربين في 209 مدن حول العالم. يتوجه التقرير أساساً إلى الشركات العالميّة، وأيضاََ إلى الحكومات لمساعدتها على تحديد المكافآت الماديّة والتقديمات الاجتماعيّة التي يجب عليها منحها لموظفيها الذين يعملون في بلاد أجنبيّة. أهمية التقرير تكمن في أنه يبين مدى الجدوى من افتتاح هذه الشركات فروعاً لها في بعض البلدان وإرسال موظفيها إليها، خصوصاً في حال كانت كلفة المعيشة مرتفعة ولا تتناسب والأرباح التي بإمكانها أن تجنيها. وفي اقتصاد عالمي شديد التنافسيّة تتصارع فيه البلدان على تقديم الحوافز والتسهيلات للشركات العالميّة الكبرى للاستثمار، فإن التفاصيل قد تكون مؤثرة في عملية اتخاذ القرارات.
لتحديد كلفة المعيشة، يأخذ التقرير في الاعتبار كلفة الغذاء والكحول والتبغ والسكن والملابس والأحذية والخدمات المنزلية والعناية الخاصة والنقل والإمدادات المحليّة والترفيه. وفي هذا السياق حلّت بيروت في المرتبة الرابعة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والـ 53 في العالم من حيث غلاء المعيشة، بعد دبي وأبو ظبي والرياض، ومتقدمة بفرق شاسع عن مدن كالدوحة والكويت اللتين حلتا في المرتبتين 115 و 119 عالمياً. كذلك تتفوق بيروت من حيث غلاء المعيشة على مدن كروما (55) وأمستردام (58) وميونيخ (67) وبرلين (81) ومدريد (82) وبرشلونة (91) ومونريال (139) واسطنبول (154)...
حلّت بيروت في المرتبة 53 عالمياً من حيث غلاء المعيشة و184 من حيث جودتها


واللافت أنه رغم تردي الأحوال في مختلف المجالات والأزمة العقارية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات وإقفال المؤسسات بالجملة، فإن غلاء المعيشة في بيروت زاد بشكل كبير، فانتقلت من المرتبة 65 عالمياً العام الماضي إلى المرتبة 53 العام الجاري.

جودة غير موجودة
يقال في العاميّة إن «الغالي رخيص» أما في لبنان، فيصحّ قلب المقولة لتصبح «الرخيص غالي». فمن حيث جودة المعيشة، بحسب تقرير الشركة نفسها عن العام الجاري، حلّت بيروت في المرتبة 184 عالمياً من بين 231 مدينة. ولتحديد جودة المعيشة يدرس التقرير عوامل عدة سياسية (الاستقرار السياسي، الأمني، احترام القوانين)، اقتصادية (الخدمات المصرفية...)، تربوية (جودة التعليم)، الخدمات العامة (الكهرباء والماء والنقل العام وزحمة السير)، الترفيه (سينما ومطاعم ومسارح)، السكن، المنتجات الاستهلاكية (سيارات...) الخدمات الطبية وتفشي الأوئبة والأمراض، والمناخ والتلوث...
ما يزيد من مأساوية المشهد أن ميونيخ الألمانية التي حلّت في المرتبة 67 عالمياً على مؤشر غلاء المعيشة حازت على المركز الثالث في مؤشر جودة المعيشة. كذلك حال أمستردام وبرلين ومونريال التي حصدت المراكز 11 و13 و21 على المؤشر نفسه.