لم تكلف الجامعات - ولا وزارة التربية - نفسها عناء إجراء دراسات جدية، أو أقله الاستفسار من هيئة إدارة قطاع البترول، حول الوظائف التي سيخلقها قطاع النفط الموعود في لبنان. محركةً بدوافع تجارية، ومن دون أي اعتبار لمستقبل الطلاب الذين لم يجرِ توجيههم، بدأ منح التراخيص عشوائياً لإطلاق الاختصاصات في مجال هندسة البترول، التي استقطبت وتستقطب المئات.


فرص العمل
تكشف دراسة صادرة عام 2017 أعدّتها هيئة إدارة قطاع البترول بالتعاون مع برنامج التنمية النروجي أن أي توظيف جدي في قطاع النفط والغاز في لبنان لن يبدأ قبل عام 2023، فيما التوظيف في مرحلة الاستكشاف التي يفترض أن تنطلق قبل نهاية العام الجاري لن يتعدى عشرات الوظائف.
تستشرف الدراسة مستقبل القطاع على مدى السنوات الخمسين المقبلة في مجال التنقيب، من دون مراحل النقل والتكرير والتخزين والتوزيع، استناداً إلى سيناريو يفترض وجود كميات تجارية كبيرة من النفط والغاز بأسعار متدنية. بالتالي، إن أي تبدل في السيناريو سيؤدي حكماً إلى تغيير في المعطيات المستخلصة (الدراسة أعدّت قبل إطلاق دورة التراخيص، ويفترض عند دراسة الرسم البياني المرفق العودة عامين إلى الوراء). ويلفت عضو هيئة إدارة قطاع البترول وسام شباط، إلى أن كل مرحلة من مراحل العمل في القطاع، سواء الاستكشاف أو التطوير أو الإنتاج، تتطلب اختصاصات وخبرات مختلفة، ما يعني غياب الاستدامة في العمل، وأن الموظف في مرحلة الاستكشاف قد يُستغنى عنه في مرحلة التطوير، وهكذا...
يظهر الرسم البياني أننا سنشهد قفزة كبيرة في التوظيف بدءاً من عام 2025 حتى عام 2028 (وفق المعطيات المحدثة تكون التواريخ تباعاً 2023 و2026)، حين ستبلغ الحاجة في حدها الأقصى 3 آلاف فرصة عمل في مجال «وظائف العمل لدى الموردين المباشرين» (Direct Suppliers Employment)، أي ما يرتبط بالوظائف التي ستوفرها شركات الخدمات التي تتعامل مع شركات النفط الثلاث التي حازت التراخيص.


بدءاً من عام 2029، بحسب الرسم (2027 وفق البيانات المحدّثة)، ستهبط الوظائف هبوطاً حاداً إلى ألف وظيفة، ما سيفرض الاستغناء عن أكثر من ألفي عامل في القطاع مع انتهاء مرحلة التطوير ودخول مرحلة الإنتاج (في الرسم عام 2030 وفي الواقع عام 2028)، عندما ترتفع الحاجة مجدداً للوظائف، ولكن بشكل محدود، فلا تتجاوز الـ 2000 وظيفة على مدار 6 أعوام. ويبلغ التوظيف ذروته بين عامي 2036 و 2038 (بحسب الرسم) مع البدء بمرحلة جديدة من التطوير. وهنا يجب التركيز على أن معظم الوظائف التي سيولدها القطاع مرتبطة بوظائف العمل لدى الموردين المباشرين وغير المباشرين، فيما التوظيف المباشر المرتبط حصراً بالشركات الثلاث محدود جداً و«لن يتجاوز 15% من مجمل الوظائف التي سيولدها القطاع» بحسب شباط.
اللافت أن أقصى حد للتوظيف لن يتعدى 9 آلاف وظيفة عام 2036 (عام 2034 وفق المعطيات الحالية)، ما يبيّن مدى الاعتباطية والعشوائية التي تعامل بها «خبراء» وصل الأمر ببعضهم إلى التنبؤ بأن القطاع سيؤمن 25 ألف فرصة عمل في مراحل عمله الأولى. ووفقاً لشباط، فإنه «استناداً إلى السيناريو المطروح، سيكون هنالك حاجة إلى نحو 4 إلى 5 آلاف وظيفة كمتوسط إجمالي سنوياً، وذلك ابتداءً من عام 2034. أما الأعوام التي تسبق هذا التاريخ، فالعدد سيكون أقلّ ولن يتخطى الألفين كمتوسط سنوي». و«إذا رغبنا في تأمين فرص عمل مستدامة، يجب التركيز على صناعات أخرى كالصناعات البتروكيماوية والأسمدة الزراعية التي من شأنها أن تخلق عشرات آلاف فرص العمل».

بطالة إلى ارتفاع
تشير الأرقام حتى الآن إلى أن عدد المتخرجين وصل إلى نحو 400 مهندس، فيما الحاجة الفعلية لن تزيد على 40 مهندساً. والمشكلة بحسب شباط هي «سوء الفهم في القطاع من جهة، وتسرع الجامعات في فتح الاختصاصات في هذا المجال من دون دراسة السوق». مؤكداً أن «80% من الوظائف ستكون للتقنيين، وفي مقابل كل مهندس بترول هنالك حاجة لثمانية تقنيين». ويلفت إلى «استنساخ الجامعات لذات الاختصاص، فيما كان يجب تنويع الاختصاصات وتوزيعها بنحو مدروس بين الجامعات لتقدم كل منها اختصاصاً معيّناً يتوافق مع الحاجة الفعلية للسوق». وبما أن التركيز على الخبرات التقنية المطلوبة وتدريب المهتمين عليها لا يزال شبه معدوم، فإن ذلك قد يؤدي إلى البحث عن أصحاب الخبرات من المغتربين اللبنانيين العاملين في مجال النفط والغاز في دول أجنبية، ما سيفاقم أزمة البطالة لدى الراغبين بالعمل في هذا القطاع من اللبنانيين المقيمين.
تخرج حتى الآن 400 مهندس بترول، فيما الحاجة لن تزيد على 40


حتى الآن، مهندسو البترول الذين تخرجوا يقبعون بلا عمل وبلا أمل أو يعملون في وظائف لا علاقة لها باختصاصهم. مجموعة من هؤلاء أسسوا فرعاً لـ «جمعية مهندسي البترول» (SPE) التي تقدم خدمات إلى أعضائها من المديرين والمهندسين والباحثين وغيرهم من الفنيين المختصين في قطاع صناعة النفط والغاز في جميع أنحاء العالم، وتضم نحو 158 ألف عضو نصفهم تقريباً من الطلاب. يكشف مؤسسو فرع الجمعية في لبنان أن عددهم حالياً يقارب الـ 50، وهم يقومون بنشاطات في الجامعات وحملات توعية للإضاءة على القطاع، وينصحون الراغبين بالعمل في القطاع بـ«ألا يحصروا أنفسهم باختصاص هندسة البترول، بل أن يدرسوا اختصاصات هندسة أشمل كهندسة الميكانيك يمكن أن تفتح لهم مجال العمل في القطاع أو في غيره في حال غياب الفرص الوظيفية».
الأخطر أنه يشترط للتخرج في مجال الهندسة بكافة اختصاصاتها أن يخضع الطلاب لتدريب ولو لشهر على الأقل، وبحكم أنه لا يوجد قطاع نفط وغاز في لبنان يؤمن للطلاب فرص التدرب، فإن العديد منهم يسافرون على نفقتهم إلى الخارج للتدرب، ما يضعهم تحت رحمة الكثير من السماسرة الذين يطلبون مبالغ تصل إلى 5 آلاف دولار لتأمين فرصة تدرب في الخارج.