تبرز الإمارات، مِن بين دول كثيرة ترعى "وساطات" بخصوص أزمة "سدّ النهضة" بين مصر وإثيوبيا خصوصاً، في مقدِّمة الدول الراعية لمصالح حليفتَيها إسرائيل وأميركا، واللتين تتبنّيان، وإن لم يكن بصورةٍ علنيّة، موقف إثيوبيا. على هذا، تواصل أديس أبابا تعنُّتها وتهديدها بالملء الثاني لبحيرة السدّ قبل التوصّل إلى اتفاق مُلزِم مع دولَتي المصبّ، وهو ما دفع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى تكرار الحديث عن "خطٍّ أحمر" يُجسِّد حقيقة خيارات القاهرة المحدودة في هذا الملفّ، والتي ستضطّرها عاجلاً إلى القبول بتضمين الوساطة الرباعية بصيغة ما في وساطة الاتحاد الأفريقي


أرسلت القيادة المصرية، خلال الاحتفال بإعادة العمل بقناة السويس إلى مستوياته الطبيعية، رسائل حاسمة ومباشرة إلى أديس أبابا بخصوص "سدّ النهضة"، حالَ استمرار تعنّتها وإقدامها على "الملء الثاني" لبحيرة السدّ في تموز/ يوليو المقبل، من دون الوصول إلى اتفاق "مُلزم" مع دولَتي المصبّ. وكرّر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الحديث عن "خطّ أحمر"، هذه المرّة لمواجهة الافتئات على حقوق مصر المائية، حتى لو ترتّبت على الأمر تغيّرات إقليمية "غير متخيّلة"، في تجاوُزٍ حقيقي للغة القاهرة "الصبورة والمتوازنة"، وتجسيد لحقيقة محدوديّة خياراتها في الملف، مضافاً إليها تراكم "خذلان" أطراف عرب فاعلين إقليمياً، تتقدّمهم دولة الإمارات، وبدرجة أقلّ السعودية، التي اكتفت بموقف التأييد اللفظي "القوي" لحقوق القاهرة المائية، من دون تمكُّنها من تحقيق اختراق حقيقي في هذا الملفّ، فضلاً عن عجزها - ربّما المقصود في مراحل معيّنة سابقة - عن ممارسة ضغوط على إثيوبيا للدفع في اتّجاه التوصُّل إلى "تسوية ما".

إثيوبيا ومشروطية "5 يونيو"
يواجه نظام آبي أحمد الإثيوبي مآزق داخلية متصاعدة، منذ "حملة استعادة النظام" التي بادر إليها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 في إقليم تيغراي، لاعتبارات الإدانة الدولية والإقليمية الواسعة لانتهاكات حقوق الإنسان، واتهام رؤوس النظام بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في الإقليم، وانكشاف التواطؤ الإثيوبي - الإريتري، بدعم "لوجيستي" إماراتي، في تنسيق الحملة، وتزامُن الاضطراب العسكري في أقاليم أخرى (ولا سيما أوروميا والصومالي، أكبر أقاليم إثيوبيا مساحةً وتعداداً للسكان)، مع انحسار الأضواء عن الانتخابات الإثيوبية العامّة المقرَّر عقدها في الخامس من حزيران/ يونيو المقبل، وتراجُع منجزات نظام آبي أحمد من مشروع تنموي طموح إلى مجرّد أجواء "كرنفالية". ويروّج الإعلام الإثيوبي الرسمي لفكرة أن الانتخابات المقبلة ستكون خطوة تاريخية لإثيوبيا وشعبها، لكونها ستفتح "جميع الأبواب" لتغذية جهود التغيير في أرجاء الدولة، وستكون سلاحاً مهمّاً "لهزيمة جميع المعوّقات"، ومواجهة الآثار السلبية لسياسات الكراهية التي استمرّت في البلاد طوال نحو نصف قرن (منذ اندلاع الثورة الإثيوبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1974)، بحسب صحيفة "ذي إثيوبيان هيرالد" (30 آذار/ مارس). لكن يُلاحظ أن هناك تحدّيات حقيقية يتجاهلها نظام آبي أحمد، منها أن الأحزاب التي تعتزم خوض الانتخابات لا تملك صلات قويّة مع الناخبين، ولا سيما أن أغلب الأحزاب السياسية في البلاد، بما فيها "حزب الازدهار" الحاكم الذي لم يتمكّن من دعم وجوده الحزبي بالشكل المتوقَّع على المستوى الوطني على رغم الدعاية الهائلة التي صاحبت تكوينه، لا يزال إقليميّ الطابع ويركِّز على الإثنيّة لحشد المؤيّدين.
وهكذا، يبدو أن آبي أحمد سيظلّ متمسّكاً حتى اللحظة الأخيرة، قبل نفاد صبر القاهرة أو فشل المساعي الأميركية للتوصّل إلى اتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف، بالحشد السياسي لحزبه وراء قضية السدّ، الذي يبدو، من حين إلى آخر، مشروعه القومي الوحيد الذي يحظى بإجماع وطني إثيوبي، في مقابل تصاعُد النعرات والتوتّرات الإثنية في أرجاء البلاد كافة، وتآكُل مصداقيّته وشعبيّته بشكل منتظم وغير مسبوق بين إثنيات عديدة.

أزمة الوساطات الخليجية
عانت القاهرة، بعد رفض أديس أبابا فكرة الوساطة الأميركية، من مراوغات وتضييع وقت في محادثات ثلاثية "دائرية" من دون الوصول إلى أيّ أسس ملموسة تُمكِّن من وضع اتفاق مُلزم وواضح بخصوص تشغيل "سدّ النهضة" وملء بحيرته، بمقتضى مبدأ حسن النوايا الذي تضمّنه "إعلان المبادئ - الخرطوم آذار/ مارس 2015" بين إثيوبيا ومصر والسودان بخصوص السدّ. وأسهمت "وساطة" الاتحاد الأفريقي، برئاسة جنوب أفريقيا في الدورة السابقة، في تضييع مزيد من الوقت، من دون بروز أيّ جهد حقيقي لدفع إثيوبيا نحو اتفاق مُلزم. وعلى رغم نجاح القاهرة في تنسيق مواقف مشتركة مع الخرطوم منذ نهاية العام الفائت، وما قاد إليه ذلك من تحسُّن كبير في القدرة التفاوضية المصرية، زادت إثيوبيا من مراوغاتها، ولم تستقبل الدوائر المصرية تصريحات السفير الإثيوبي في القاهرة (31 آذار) عن استعداد بلاده للتفاوض قريباً، بحماسة كبيرة، مفضّلةً، بمقتضى خبرة متراكمة من المفاوضات، انتظار مواقف إثيوبية فعليّة.

ظلَّت الجهود الأميركية عند نقطة توازن معقولة بين المواقف المصرية والإثيوبية


وبينما تعوّل القاهرة بقوّة على تفهُّم رئاسة الاتحاد الأفريقي الحالية لمواقفها ومخاوفها، حيث يتمتّع السيسي بعلاقات وطيدة للغاية مع الرئيس الكونغولي، فيليكس تشيسيكيدي، الذي كانت محطّته الخارجية الأولى، بعد تولّيه رئاسة الاتحاد الأفريقي، القاهرة، في 3 شباط/ فبراير الماضي، فضلاً عن حقيقة المواقف الكونغولية الداعمة لحقوق مصر على نحو لافت في إطار مبادرة حوض النيل، فإنها تدرك قصور الجهود السعودية والإماراتية في "حلحلة" مواقف إثيوبيا. فقد قدَّمت الرياض (شباط الماضي) عرضاً خجولاً للوساطة في النزاع، يبدو أنه لم يَرُق الطرف الإثيوبي. أمّا الإمارات، فقدَّمت عرضاً للوساطة بين إثيوبيا والسودان أُعلن فشله بعد أيام من إطلاقه، علماً بأنه اقتصر على محاولة تسوية الأزمة الحدودية عبر تبنّي رؤية أديس أبابا بتجميد الوضع الحالي على الحدود، والدخول في مفاوضات مجدداً، وهو ما رفضته الخرطوم، مُشدّدة على أن هذا الملفّ ليس محلّ مساومات سياسية. وأثارت هذه "الوساطة" مخاوف مراقبين مصريين من تهديد الإمارات لموقف بلادهم (عبر نزع وسيلة ضغط مهمّة على النظام الإثيوبي لتبنّي مقاربات إقليميّة سلمية)، في ما بدا تصاعداً غير مسبوق في الشكوك المصرية إزاء الدور الإماراتي "المُهدِّد للمصالح المصرية" من ناحية الانتشار والعلانية، وتعزيزاً لتصوُّرات وجود توتُّر مكتوم في العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي.
وتَجسّدت أزمة تضارب الوساطات الإقليمية في غياب الإمارات عن الدعم الخليجي "المعنوي" الذي حظيت به القاهرة عقب تصريحات السيسي الأخيرة؛ ففيما بادرت السعودية إلى إعلان دعمها المبادرة الهادفة إلى الوصول لاتفاق مُلزم وحماية الحقوق المائية "لجميع دول حوض النيل" في أقرب وقت ممكن، "بما يتّفق مع القانون الدولي"، وخَطت سلطنة عُمان خطوة إلى الأمام بإعلان دعمها المباشر لمصر وتضامنها مع جهودها لتسوية المسألة "عبر الحوار والمفاوضات لضمان الاستقرار الإقليمي وحماية مصالح جميع الأطراف المعنيّة"، وهو موقف مشابه لموقف الخارجية البحرينية، اكتفت الإمارات، لاحقاً، بالدعوة إلى حلّ أزمة "سدّ النهضة" بالحوار.
يمكن تبرير "الحياد" الإماراتي "غير المتوقَّع" (وإن كان مفهوماً في مستويات تحليل أخرى تأخذ في الاعتبار الدور الوظيفي لأبو ظبي وارتهانها عضوياً للسياسات الإسرائيلية والأميركية في القرن الأفريقي)، في ملفّ "سدّ النهضة"، بحجم المصالح الإماراتية الضخمة الآنية والمستقبلية في السوق الإثيوبية الكبيرة، وأمل أبو ظبي في مواصلة تعهُّدها مشروعات التعاون الاقتصادي مع إثيوبيا (مثل خطّ أنابيب البترول بين أديس أبابا وميناء عصب الإريتري)، وتعزيز الاستثمارات الإماراتية في قطاعات الصناعة والزراعة والعقارات والمنتجعات السياحية، وتفعيل الاتفاق الإماراتي - الإثيوبي الشامل وغير المسبوق "لحماية وتشجيع" الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا الموقَّع في شباط من عام 2016، ووضْع إطار قانوني لحماية هذه الاستثمارات، الأمر الذي لا يمكن فصله عن إعلان مسؤولين أميركيين وإسرائيليين إفشال محاولة هجوم "إيرانية" على سفارة الإمارات في أديس أبابا، وربط هذه المحاولة "بمساعٍ إيرانية للانتقام بضرب أهداف ناعمة في أفريقيا".

مخرج الوساطة الأفريقية - الدولية
حتّى الآن، لا تتجاوز المحادثات الثلاثية المباشرة حول "سدّ النهضة" إطار الاتحاد الأفريقي. وفي ما اعتُبِر أوّل انخراط أميركي مباشر لإدارة جو بايدن في الملفّ، كشفت واشنطن، نهاية الشهر الماضي، عن التجهيز لإرسال وفد أميركي "لتقصّي الحقائق" إلى كينشاسا والقاهرة والخرطوم وأديس أبابا، يضمّ المبعوث الخاص إلى السودان دونالد بوث، ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأدنى جوناثان مور، وكارين ساساهارا، صاحبة السيرة الذاتيّة الحافلة في ملفّات الشرق الأوسط والعمل الاستخباري ووحدات تحليل التهديدات الإرهابية في الإقليم.
لكن الجهود الأميركية ظلَّت عند نقطة توازن معقولة بين المواقف المصرية والإثيوبية، إذ أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في 29 آذار، استعدادهما للوساطة في أزمة "سدّ النهضة"، والحاجة للتوصّل إلى "حلّ دبلوماسي" للنزاع حول السدّ باستخدام مقاربة "ترضي الأطراف الثلاثة"، بما يضمن: قدرة إثيوبيا على توليد الكهرباء، وسلامة أراضي السودان الإقليمية وسلامة سدوده، وحقوق مصر المائية؛ وهي صيغة متوازنة وتحظى بقبول تامّ من قِبَل القاهرة. وكان رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، أرسل خطاباً إلى كلّ مِن الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يحتوي طلباً رسمياً بتكوين "لجنة رباعية" للوساطة في مفاوضات "سدّ النهضة". وردّت الخارجية الأميركية على الخطاب، مؤكّدة أن الولايات المتحدة ستُواصل دعم الجهود لتسوية الخلاف حول السدّ، وتشجيع استئناف "حوار بنّاء"، ليعزِّز ذلك تصوّر وجود تنسيق "غير رسمي" بين أطراف "الوساطة الرباعية"، يراعي مخاوف الأطراف كافة، والتي من بينها: عامل الوقت الذي تنبّه إليه القاهرة، وطلبها وجود ضمانات دولية قوية في ظلّ الأداء الإثيوبي الذي افتقر طوال المحادثات إلى مبدأ حسن النوايا؛ وحرص إثيوبيا، في المقابل، على ألّا تكون المفاوضات خارج مظلّة "الاتحاد الأفريقي"؛ والاستجابة الفنية والسياسية دولياً لمخاوف السودان من أضرار تشغيل السدّ بالكامل من دون الاتفاق على ضمانات كافية لعدم إلحاق الضرر به.
وفي المحصّلة، بينما تتصاعد تعقيدات أزمة ملفّ النهضة، وتتضاءل خيارات مصر "التفاوضيّة"، ويبقى خيارها الأمثل، وربّما الوحيد، فكرة تضمين الوساطة الرباعية بصيغة ما في وساطة الاتحاد الأفريقي، فإن التصعيد على الأرض قد يأخذ مسارات خطرة في الأسابيع المقبلة.