القاهرة | بين ضفّتَي نهر النيل، تقع الزمالك، الجزيرة التي تحيط بها المياه من مختلف جوانبها في قلب القاهرة. كانت وجهة الأثرياء والعرب لعقود طويلة، لكن اليوم، بسبب إجراءات النظام المصري المتمسك بتطويرها وفق رؤية أحادية يريد فرضها، تحوّل سكانها من مرفّهين إلى مواطنين يعانون بشدة بسبب كثرة التدخلات التي تفسد هدوء الحي الراقي. صحيح أن تخريب الزمالك بدأ في عهد محمد حسني مبارك، مع هدم عشرات الفيلات وبناء أبراج سكنية مكانها استغلالاً لتميز موقع المنطقة ومحدودية مساحتها، لكن ما يحدث فيها منذ ثلاث سنوات تحديداً فاق أي تخريبات في العقود الماضية. أيضاً، عندما اضطر نظام مبارك إلى تمرير جسر في منتصف الجزيرة لتسهيل المرور من وسط القاهرة صوب التوسعات الجديدة في أكتوبر والشيخ زايد قبِل السكان ذلك على مضض.

الضاحية الهادئة، التي عاش فيها كثير من المشاهير والنجوم، تعيش الآن أسوأ أيامها وسط وعود بتحويلها إلى «منطقة أكثر تطوراً» طبقاً لكلام المسؤولين. والجزيرة التي تعدّ أغلى منطقة سكنية في «المحروسة» بات سكانها اليوم يعانون من نقص المياه وأزمة في ركن السيارات وحتى الوصول إلى منازلهم، وسط تخوفات من ازدحام إضافي بجانب الموجود بالفعل. فمنذ مدة، شرعت وزارة النقل في إنشاء «مترو الزمالك»، المحطة التي ستمر من أسفل منازل الجزيرة، مع أن المهندسين حذّروا من خطورة هذا العمل لأسباب لها علاقة بالتربة والأرض، الأمر الذي يشكك في جدوى المشروع، ولا سيما أن سكان المنطقة ليسوا من رواد المترو. لكن الوزارة تمسكت بقرارها قائلة إن الملاك والمستأجرين في الحيّ يتعاملون بتعالٍ مع الدولة!

تشهد المنطقة «تمرّداً مكتوماً» ضد مشروعات الدولة المفروضة


بعد أسابيع من بداية الحفر، تعرضت عمارة الشربتلي الشهيرة لهزّة. العقار التاريخي مع حائط تابع لسفارة البحرين، بالإضافة إلى مواقع أخرى كلها تأثرت بالحفر، وبعدها بأسابيع تأثرت عقارات أخرى جرى إخلاؤها مقابل تعويضات تدفعها «النقل» من أجل تنفيذ المشروع، بجانب مطالبات الوزارة لسكان اثنين من العقارات الموجودة بالفعل بالاستعداد للإخلاء وتعويضهم مع نقلهم إلى مواقع أخرى بسبب احتياج مشروع المحطة إلى موقع عقاراتهم. أعمال الحفر في المحطة التي ستقع في قلب الزمالك حوّلت المنطقة إلى مكان شبه مغلق وخاصة مع وجود مدارس مهمة يسبب تشغيلها زحمة إضافية، في وقت تعرّضت فيه مواسير المياه للتكسير أكثر من مرة، وانقطعت المياه عن المنطقة لأيام، لدرجة أن شركة المياه أرسلت السيارات لتوفرها للسكان عبر «جراكن» في مشهد لم تره الزمالك من قبل.
أما الجزء المواجه للنيل، فينتظر مشكلة جديدة مع السماح بترخيص مركب عائم أمام العقارات، ليجد المارُّ العقاراتِ التراثية المطلة على النهر وعليها لافتات ترفض المطاعم الجديدة التي ستحجب رؤية الشقق للنيل في المكان المقابل لمبنى وزارة الخارجية الفخم والمطل على النهر من الجهة الأخرى، وهي مبانٍ فيها سفارة تونس، ويقطن فيها دبلوماسيون ومشاهير. وآخر المشروعات التي يجري العمل فيها داخل الزمالك هو إنشاء «عين القاهرة» الذي سيضم أكبر عجلة ترفيهية وسياحية في أفريقيا بارتفاع 120 متراً. ومن المقرر أن ينطلق المشروع في 2022 ليتيح الفرصة لمشاهدة القاهرة بالكامل، على غرار العجلة الموجودة في دبي ولاس فيغاس.
خطورة هذه المشروعات من وجهة نظر سكان الزمالك ليست في الأعداد الكبيرة التي سيؤدي التطوير إلى ترددها على المنطقة الهادئة فقط، بل في اختراق خصوصية الحيّ الهادئ وعشرات العقارات التي سيتضرّر سكانها بسبب اقتراب العجلة من منازلهم، ما جعل السكان يبدأون التحرك ضد المشروع الجديد. هكذا، بفضل مخططات التطوير، لم يعد الزمالك كما كان: الحيّ الذي انتمى سكانه إلى الأنظمة والاستقرار ورفض التظاهر وأيّد قرارات الدولة. هو نفسه الآن يشهد تمرداً مكتوماً بدأ عبر «غروبات» المنطقة على «فايسبوك» لرفض قرارات الحكومة.