القاهرة | استبق النظام المصري زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لفرنسا، بالإفراج عن الحقوقيين المحبوسين من «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» على خلفية النشاط الذي تمارسه «المبادرة»، وذلك بعد نحو ثلاثة أسابيع شهدت حالة من الشدّ والجذب في شأن وضعية «المبادرة» وترخيصها، في واحد من فصول السجالات المستمرة بين النظام والمنظمات الحقوقية بعدما لم يستطع ترويضها حتى اليوم. صحيح أن الباحث المصري، باتريك جورج، الذي يعمل في «المبادرة» ويدرس الدكتوراه في إيطاليا موقوف منذ شباط/ فبراير الماضي، ويجري تجديد حبسه بصورة شبه منتظمة، وآخرها قبل أسبوعين لخمسة وأربعين يوماً من دون توضيح الأسباب لفريق الدفاع عنه، إلّا أن توقيف ثلاثة من أعضاء المنظمة الشهر الماضي بالتوالي، دفع إلى تصعيد انتهى بخروجهم على ذمة القضايا، لكن مع توقّع لمضايقات جديدة قريباً.

يأتي تعامل القضاء مع هذا الملف متساوقاً مع تدخلات النظام في المنظومة القضائية المباشرة. فالاتهامات التي جرى التوقيف بناءً عليها هي نفسها التي دُحضت كلياً بمستندات رسمية قُدّمت منذ سنوات إلى الجهات الرسمية للحصول على تصاريح بالعمل، وآخرها الطلب المقدّم في شأن توفيق الأوضاع طبقاً لقانون الجمعيات الأهلية وتعديلاته، بعدما اعتمد مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية للقانون عقب شهور من المماطلة. لكن جزءاً من الضغط الرئيسي للإفراج عن الثلاثة، يعود إلى علاقاتهم الخارجية، سواء عبر الحقوقي المصري بهي الدين حسن المقيم في باريس هرباً من الملاحقات القضائية، مروراً بالزوجة الإنكليزية للمحامي كريم عنارة، التي شنّت ضغطاً عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الدور الذي قامت به بعض المنظمات كـ«العفو الدولية»، في حملة ضغط منهجي لم يستطع النظام الصمود في وجهها.

لم يصمد النظام أمام الحملة الخارجية لإخراج الموقوفين الثلاثة


من جهة أخرى، عاد مؤسّس «المبادرة» ومديرها التنفيذي، حسام بهجت، الذي أعلن مغادرتها منذ سنوات تحت وطأة الضغوط الأمنية، للظهور في الواجهة بصفته مسؤولاً عن الإدارة عقب توقيف جميع قياداتها، علماً بأنه ممنوع من السفر منذ أربع سنوات جرّاء اتهامات مشابهة حول نشاطه الحقوقي، ما منعه من تسلّم جوائز دولية حصل عليها عن نشاطه الحقوقي والصحافي. وبينما استطاعت الدولة إجبار مدير «مركز القاهرة للدراسات»، بهي الدين حسن، على مغادرة «المحروسة» ثم خروج المركز من تونس وتنقل مؤسسه بين المدن الأوروبية، فإن «المبادرة المصرية» التي يعمل القائمون عليها على تدقيق تحركاتهم وأوراقهم لا يرغبون، بدورهم، في الرحيل تحت أيّ ظروف، ويقولون إنهم مستمرون في العمل من الداخل على رغم استمرار المضايقات.
في غضون ذلك، تباشر الأجهزة الأمنية حملات واسعة لمراقبة نشاط «المبادرة» والتضييق على المحامين الذين يتعاونون معها بصورة غير مسبوقة. لكن نتيجة هذه المراقبات لم تسفر عن اتهامات حقيقية، وخاصة مع استيفاء الأوراق اللازمة لدى الجهات الحكومية، الأمر الذي يحوّل المشكلة بين «المبادرة»، ومن خلفِها داعموها في الخارج، وغالبيتهم حقوقيون مطاردون، وبين الدولة ممثلة في الأجهزة الأمنية والقضائية، إلى معركة قانونية على الأوراق التي يجب استيفاؤها كافة، وهو ما يعمل عليه المحامون في «المبادرة» بصورة منتظمة. في النتيجة، لم يبقَ في مصر سوى جهات محدودة تعمل خارج سيطرة الدولة ضمن المجالَين الحقوقي والقانوني، وهذه «المبادرة» تحصل على دعم وتمويل مادي أوروبي وبرامج مختلفة تحظى برعاية من الجامعة الأميركية، ما يوفّر لها غطاء للعمل قانونياً في المجال البحثي من دون التعمّق في الجانب السياسي أو التحليلي. وثمة رهان لدى الحقوقيين المعارضين على السياسة التي سيتبعها الرئيس الأميركي المنتخَب، جو بايدن، تجاه مصر، في موازاة مراقبة ما إذا كان سيكتفي بالضغط عبر التصريحات الدبلوماسية بلا تحوّل فعّال في السياسة الأميركية تجاه القاهرة بما يسمح بفتح الحياة أمام المجال الحقوقي الذي ستكون «المبادرة» قاطرته.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا