القاهرة | على رغم استمرار القطيعة الدبلوماسية بين مصر وتركيا على خلفية مواقف الأخيرة من إطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي، فإن المعايير تَغيّرت اليوم كثيراً، وهو ما تجلّى ليس في الاعتراف التركي بشرعية عبد الفتاح السيسي فقط، بل وفي محاولة ضَمّه إلى تحالف تركي في المنطقة لمواجهة السعودية والإمارات. في هذا السياق، يبدو عرض مستشار رئيس حزب «العدالة والتنمية» التركي الحاكم، ياسين أقطاي، مغرياً للقاهرة كما ترى أنقرة، لأنه يشمل استئناف العلاقات بين البلدين، وتحقيق تعاون ثنائي في مجالات عديدة، في مقدّمتها استخراج الغاز في شرق المتوسط، إضافة إلى تنسيق عسكري وتقريب لوجهات النظر في ملفات إقليمية، من بينها ليبيا وسوريا.

الأخطر، من وجهة النظر الخليجية، من مهاجمة أقطاي للإمارات وتحميله إيّاها المسؤولية عن التوترات في المنطقة، هو تقديمه تصوّراً يَفترض أن دخول القاهرة في تحالف مع أنقرة سيفتح للأولى أبواب الشرق كلّه، سواء مع روسيا وإيران أو أطراف أخرى، ما يعني تحوّلاً كاملاً في السياسة الاستراتيجية المصرية، يبدو إلى الآن أنه غير ممكن، ولو تدريجياً، من وجهة نظر الدولة المصرية، كما تقول مصادر مطلعة. هكذا، تبدو فرضية تركيا صعبة التطبيق، وهو ما أدركه أقطاي من خلال ردّ الفعل الرسمي المصري الذي جاء عبر وزير الخارجية سامح شكري، بقوله إن موقف بلاده مرتبط بما تفعله تركيا في ليبيا وسوريا والعراق، الأمر الذي يعني تخطّي التجاوزات التركية بحق النظام المصري، مع التوقف عن المطالبة باستعادة المصريين الهاربين إلى إسطنبول لأسباب سياسية.

تفضّل القاهرة الاحتفاظ بورقة رابحة درءاً لاحتمال مصالحة خليجية من دونها


صحيح أن هناك تنسيقاً منذ شهور بين أجهزة الاستخبارات المصرية والتركية بصورة غير مباشرة عبر وسطاء، وصل لاحقاً إلى تنسيق مباشر ربّما لم يحدث منذ سنوات بهذه الدرجة من الكثافة، خاصة في الأسابيع الماضية، لكنه اقتصر على مستويات محدّدة. مع ذلك، تؤكد مصادر أن هذا التواصل أفضى إلى الكثير من التفاهمات، خاصة في ما يتعلّق بوقف الانتقادات الإعلامية المصرية لتركيا، مع وعود تركية «لم تُنفّذ حتى الآن» باتخاذ خطوات مماثلة. هذه التفاهمات، التي لا تزال في بدايتها، أقلقت دول الخليج بوضوح، ولا سيما السعودية والإمارات، لكونها تأتي من دون تنسيق بينهما وبين مصر، الأمر الذي دفع الأخيرة إلى نقل «رسالة طمأنة» باستحالة أن تكون هناك خطوات أحادية من القاهرة تجاه أنقرة، ولا سيما في ما يتعلّق بـ«الموقف العربي الموحّد ضدّها في مسألة قطر».
بناءً عليه، يبدو أن مصر تستخدم تفاهماتها مع تركيا كأداة ضغط لانتزاع مكتسبات في مفاوضات حلّ الأزمة الخليجية، والجارية بوساطة أميركية، عن طريق التلويح بها لإبعاد أيّ احتمالات مصالحة من دون القاهرة. وعلى رغم ضعف تلك الاحتمالات، إلا أن المصريين يفضّلون الاحتفاظ بورقة رابحة يمكنهم استخدامها في المفاوضات، وهو ما ظهر في الأيام الماضية أثناء الهدنة الإعلامية بين قطر وجيرانها، والتي لم تلتزم بها مصر. في هذا الوقت، لم تنقطع اتصالات السيسي مع ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، خلال المدّة الماضية، لكن المعارضة المصرية لإردوغان ونظامه تراجعت. وفيما ترغب الإمارات في دعم المعارضة التركية مالياً، يُفضّل السيسي اتّباع طرق أخرى، سواء مع إردوغان أو غيره، من جرّاء اعتبارات عديدة.
على أن التنسيق المصري - الإماراتي المرتبط بليبيا لا يزال قائماً حتى اللحظة من دون تغيير، ولا سيما لناحية الدعم العسكري لقوات المشير خليفة حفتر. أما تركيا، فالظاهر أنها باتت تتفهّم الموقف المصري في ليبيا، حيث لم تعد الحرب خياراً مطروحاً حتى في حال استمرار الخلاف السياسي والتصعيد، وما يحدث اليوم ليس سوى جزء من صورة ستتّضح معالمها قريباً طبقاً للدوائر القريبة من أصحاب القرار.