القاهرة | بصورة مفاجئة، حرّك البرلمان المصري مشروع القانون المقدّم من رئيس جامعة الأزهر السابق، النائب أسامة العبد، الخاص بتنظيم عمل «دار الإفتاء»، بعدما نام ثلاث سنوات في درج اللجنة الدينية في مجلس النواب. جرت مناقشة القانون الجديد تمهيداً لإقراره ورفعه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي من أجل التصديق عليه. تقول مصادر إن إقرار القانون قبل انتهاء الفصل التشريعي الحالي مرتبط بالرغبة في إبقاء المفتي الحالي، شوقي علام، في منصبه بعد التقاعد خلال آذار/مارس المقبل، بموجب صلاحية الرئيس في هذا الشأن، فضلاً عن تقليص دور الأزهر ونقل عدد من صلاحياته إلى «الإفتاء» التي ستكون تابعة لمجلس الوزراء مباشرة.

برغم غضب شيخ الأزهر، الإمام الأكبر أحمد الطيب، من مشروع القانون، والتعبير عن ذلك علناً سواء في بيانات «هيئة كبار علماء الأزهر»، أو حديث مندوب الأزهر المشارك في مناقشات البرلمان، فإن التعليمات بالسير في القانون تجعل إقراره وشيكاً خلال الأيام القليلة المقبلة. ويمنح مشروع القانون الحالي، الذي سيصوّت عليه في جلسة عامة لاحقة بعد مراجعته من مجلس الدولة، لـ«دار الإفتاء» صلاحية إبداء الرأي الشرعي في ما يرد إليها من استفسارات، وتقديم الاستشارات في المعاملات المالية المعاصرة، ومساعدة الأفراد والمؤسسات في كيفية حساب الزكاة وإعداد الوصية. كما يحق للدار في التعديلات الجديدة إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى والرد على الشبهات المثارة، وتقديم الاستشارات في كل ما يتعلق بالمجال الأُسري، مع تسوية المنازعات بين الأفراد التي تُعرض عليها، وإبداء الرأي الشرعي في المسائل الواردة إليها من المحاكم والنيابات، ومن المؤسسات الحكومية.

وفق التعديلات سيبقي علام مفتياً بعد التقاعد وللسيسي التمديد واختيار الخلف


الأخطر في مشروع القانون هو جعل صلاحية اختيار المفتي بيد رئيس الجمهورية، بعدما ترشّح «هيئة كبار العلماء» ثلاثة أسماء خلال شهرين قبل خلوّ منصب المفتي ليختار منهم واحداً، وكذلك جعل ولاية المفتي حتى بلوغه السن القانونية للتقاعد، بل مع جواز التجديد له بقرار من الرئيس أيضاً، وهي إجراءات من شأنها زيادة تغلغل الدولة في المؤسسة الدينية التي شهدت توترات كثيرة طوال السنوات الماضية. ولذلك، رأت «هيئة الأزهر» في هذا التعديل عدواناً على اختصاص الهيئة واستقلاليتها بصفتها الجهة الوحيدة التي تختص بترشيح مفتٍ للجمهورية، كما اعترضت على مبدأ التجديد دون الرجوع إليها، لأنه يلغي سلطاتها. وفي ما يعدّ موازاة لمهمات مؤسسات الأزهر، منح مشروع القانون للمفتي أحقية «تشكيل لجنة علمية من بين أمناء الفتوى، مع تحديد اختصاصاتها وضوابط عملها والقضايا الشرعية التي تحال إليها»، إضافة إلى إنشاء «مركز إعداد المفتين» لـ«تدريب وتأهيل الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء وإكسابها المهارات اللازمة لذلك داخل مصر وخارجها».
وسط الرفض الأزهري، أرسلت «هيئة كبار العلماء» بياناً إلى رئيس البرلمان، علي عبد العال، تمسّكت فيه بالدستور الذي ينص على كون الأزهر «هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على شؤونه كافة، واعتباره المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية مع مسؤوليته عن تولي مهمة الدعوة ونشر علوم الدين في مصر والعالم العربي». وأكّد علماء الأزهر أنه «المسؤول عن الإفتاء والبت في الأمور المتعلقة بالشريعة والرد على الاستفسارات الشرعية وتقديمها إلى أي جهة خاصة في ما يتعلق بالمعاملات المالية المعاصرة وإجراء الأبحاث المتعلقة بالفتوى»، مشدّدين على أن «إسناد هذه المهام إلى الإفتاء مخالف للدستور ومساس باستقلال الأزهر ورسالته». كذلك، عدّل البرلمان تبعية الهيئة لتكون من وزارة العدل إلى مجلس الوزراء. وبشأن إنشاء مركز إعداد المفتين، رأى الأزهر فيها «تغولاً على دور جامعة الأزهر المحدد بالقانون رقم 103 لسنة 1961، الذي ينص على اختصاص الجامعة في كل ما يتعلق بالتعليم العالي، فضلاً عن مساس القانون بمجمع البحوث الإسلامية»، وهذا يمثل «كياناً موازياً»، مطالباً بـ«تعديل القانون ونقل تبعية الإفتاء إلى الأزهر الشريف، أو حذف اعتبارها هيئة ذات طابع ديني في حال استمرار الرغبة في تبعيتها للحكومة».