القاهرة | في 24 حزيران/ يونيو 2014، أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تنازله عن نصف راتبه البالغ 42 ألف جنيه مصري (ما يعادل نحو 5,900 دولار أميركي آنذاك)، وأيضاً عن نصف ما يمتلكه من ثروة، للبلاد، مطلقاً بذلك صندوق «تحيا مصر»، كي يستقبل التبرعات التي جاءت من رجال أعمال وشخصيات مقربة من السلطة تحت عنوان «دعم الفئات والأسر الأكثر احتياجاً». صحيح أن نصف ثروة السيسي، التي تبرع بها، لم يعرف عنها المصريون شيئاً، أو حتى ما تبقى له، لكن الصندوق بقي سلاحاً هو الأقوى في يده لانتزاع الأموال من رجال الأعمال والجهات المختلفة، كبديل «حديث» من إجراءات مصادرة الأموال! منذ ذلك الوقت، واسم «تحيا مصر» يتردد بين حين وآخر، وعند الأزمات المختلفة التي تمر بها البلاد، مع أنه لم تظهر أي أوراق ومستندات رسمية عن أوجه الإنفاق وأموال المتبرعين، وخاصة مع تلقي تبرعات ذهبية ومستلزمات مختلفة من مواطنين بسيطين استقبل السيسي بعضهم في قصر الاتحادية.


مجلس صوري... وإنفاق رئاسي
استغرق استصدار القرار الخاص بالصندوق عاماً، إذ نشرته «الجريدة الرسمية» في 8 تموز/ يوليو 2015، ونص على تكوين مجلس الأمناء ليضم شيخ الأزهر، وبابا الإسكندرية، ومحافظ البنك المركزي، ووزراء: المالية، والاستثمار، والصناعة والتجارة، والعدل، إضافة إلى ستة أعضاء من الشخصيات العامة، على أن تكون تبعية الصندوق لمجلس الوزراء. لكن خلال السنوات الخمس الماضية، لم يجتمع مجلس الأمناء سوى مرات محدودة، وخاصة أن قرارات الصندوق يتخذها المدير التنفيذي بناءً على تكليفات الرئيس، فيما لا يتجاوز دور رئيس الحكومة، الذي يتبع الصندوق له مباشرة، سوى تنفيذ التكليفات.
هكذا، ينفق «الجنرال» من «تحيا مصر» وفق قراراته الشخصية طوال الوقت، فتارة يأمر بشراء «ميكروباص» لسيدة شاهدها تعمل على سيارة أجرة، وطوراً يأمر بتجهيز عربة وكشك لسيدة قرأ قصتها، بل يستقبل بعضهم ويتحدث معهم في «الاتحادية» من دون أن تكون هناك دراسة لمدى استحقاق الحالات التي شاهدها أو قرأ عنها عن غيرها من الحالات. وفي مناسبات عدة، وجّه السيسي بالإنفاق على مشاريع كان يفترض أن تقوم بها الحكومة، في مقدمتها مساعدات للقرى الفقيرة والمتضررة من السيول، بل توفير معاشات شهرية، وهي أدوار واجبة أساساً على وزارة التضامن الاجتماعي.

مثّل الصندوق أسلوباً بديلاً من المصادرة لانتزاع الأموال من رجال الأعمال


لكن الرئيس يتعامل مع الصندوق كأنه جزء من موازنة الدولة، أو «حنفية مال» يديرها كيفما يشاء، بل تكون مسؤولة في التخفيف عن الحكومة، إلى حدّ تكليفه الصندوق بالمساهمة في إعادة بناء المساكن العشوائية. ووفق الموقع الرسمي لـ«تحيا مصر»، يقوم الصندوق على برامج رئيسية (التعليم، التنمية العمرانية، التمكين الاقتصادي، الدعم الاجتماعي، الكوارث والأزمات)، فيما يضم مجموعة من الشركاء في مقدمتهم جميع البنوك الحكومية والخاصة، وعدد من الشركات التي يمتلكها كبار رجال الأعمال المقربون من الدولة.

شحاذة متكررة
بالتوازي، لا يتوقف السيسي عن طلب الإعانات والتبرعات من رجال الأعمال لدعم الصندوق من دون أن يشرح أوجه الإنفاق والاستراتيجية التي يعمل بها، فيضطر كثيرون إلى التبرع لإرضاء الرئيس، وخاصة في الأزمات، وهو ما تكرر حتى مع «نقابة الصحافيين» التي قدمت جزءاً من أموال الأنشطة إلى الصندوق، في محاولة لإرضاء الحكومة برغم اعتراض قطاع عريض من الصحافيين على هذه الخطوة. لكن أخيراً صار غياب ثقة المواطنين بالصندوق، الذي يتقاضى العاملون فيه رواتب كبيرة، مقارنة بالعمل الحكومي عموماً، فضلاً عن حداثة عمرهم، دافعاً إلى تجنب التبرع. الأغرب أن «الجنرال» لا يخجل من توجيه الانتقادات علناً إلى رجال الأعمال في حال لم يتبرعوا، علماً بأن الصندوق يقدّم إيصالات بقيمة التبرعات لإزالتها من الضرائب المستحقة للدولة التي توجّه إلى خزانة الدولة مباشرة، كما طاولت انتقاداته بعض الفنانين والشخصيات العامة.
وفي حالة الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة على العائدين من الخارج بسبب فيروس كورونا وتحميلها إياهم كلفة الحجر، ما تسبب في غضب واحتجاج بسبب إجبارهم على الإقامة في فنادق حكومية ذات خمس نجوم، كلف السيسي «تحيا مصر» سداد ملايين الجنيهات للعائدين، بمن فيهم الآتون من الولايات المتحدة وإنكلترا. صحيح أن بعض المقيمين على نفقة الصندوق قرروا التبرع، لكن كلفة إقامتهم أعلى بكثير مما تبرعت به غالبيتهم، في وقت عملت فيه الدولة على تحقيق أكبر استفادة مالية منهم بعد إعادتهم بمبالغ أعلى من أسعار الرحلات الاعتيادية. والخلاصة أن المال الذي خرج من الصندوق عاد إلى جيب الحكومة.
اللافت أن قرار السيسي في هذا الإطار جاء إعلامياً وشعبوياً، وخاصة مع تغاضيه عن مشكلات وأزمات أكبر كان يفترض أن يغطيها الصندوق الذي تلقى تعليمات نفذها فوراً من دون مراجعة أو مناقشة، فلا مجلس الأمناء وافق على قرار الرئيس، ولا جميع العائدين طلبوا الإعانة، بل إن المساعدات لم تشمل كلفة استعادة الطبقة المتوسطة الدخل والفئات الأقل دخلاً الآتين من الخليج، وتحديداً الكويت، بل ساوى بين الكادحين والأغنياء. ووفق المعلومات، لم يتدخل «تحيا مصر» في شأن أكثر من 5800 مصري عالقين في الكويت في ظروف غير إنسانية من أجل العودة، وهم من مخالفي الإقامة الذين صاروا قيد الاحتجاز قبل أكثر من أسبوعين، والآن ترفض الحكومة المصرية على نحو غير معلن إعادتهم بداعي توقف رحلات الطيران حتى إشعار آخر بسبب «كورونا». مع ذلك، استغل «تحيا مصر» الأزمة لجمع مزيد من التبرعات تحت عنوان توفير مستلزمات لوزارة الصحة التي يفترض أن تشتري الأجهزة والمستلزمات الطبية، علماً بأن «المحروسة» قدمت معونات إلى دول متضررة!
من جهة أخرى، وبرغم محاولة الدولة الظهور بمظهر المسؤولية وقدرتها على مواجهة أزمة «كورونا»، تبيّن أن مبالغ كبيرة من المخصصات التي تبلغ مئة مليار جنيه تم الحصول عليها من «تحيا مصر» الذي يتدخل وينفق وفق الرئاسة، ومن دون النظر إلى اعتبارات مهمة مثل سداد منحة 500 جنيه للعمالة غير المنتظمة التي تضررت كثيراً من الأوضاع الاقتصادية الأخيرة. في المحصّلة، لا يدخل السيسي الصندوق في ما يمكن أن يستنزف موارده، حتى لو كان الهدف مساعدة العمالة الفقيرة، وهو ما ظهر في رفض الصندوق مساعدة العمالة غير المنتظمة التي لم تسجل بياناتها في المهلة المحددة من الحكومة لصرف إعانات التوقف عن العمل.