يغيب التفاؤل عن مسار التفاوض بين القاهرة وأديس أبابا في شأن سدّ النهضة، خاصة بعدما تحوّل دور الجانب المصري من مفاوِض على تفاصيل فنية للسدّ إلى مفاوِض على تفاصيل التفاصيل، أي آليات التخزين وغيرها، وهو ما انعكس إنهاكاً للقاهرة على مدار ثماني سنوات من دون نتائج واضحة. عارضت مصر، ابتداءً، إنشاء السدّ، ثم تنازلت، ثم تمنّعت، ثم صارت لا تمانع ملء «النهضة» وتشغيله بشرط ألّا يضرّ ذلك بحصتها المائية، ثم جاء الإهمال، لينتهي التفاوض إلى الآليات التي تحكم تخزين المياه في السدّ، والتي يراوغ في شأنها الإثيوبيون كما تقول القاهرة، مفضّلين الاتفاق خطوة بخطوة، على عكس المطالب المصرية بآلية واضحة للتعامل مع السدّ خلال مئة عام مقبلة.

حدّد الخبراء المصريون (باستخدام أحدث النماذج الرياضية كما يقولون) سياسة الملء والتشغيل لـ«النهضة»، مع مراعاة الموازنة بين التنمية الاقتصادية الإثيوبية، وقدرة مصر على استيعاب الآثار السلبية (راجع الموضوع المقابل). يقول الخبراء إنهم أخذوا في الاعتبار «الدورات الهيدرولوجية للنيل الأزرق» ما بين فيضانات عالية ومنخفضة ومتوسطة، ووضعوا مخططهم بما لا يضرّ بإنتاج «النهضة» للكهرباء إلا في أضيق الحدود، بالتوازي مع تحمّل مصر نقص كهرباء السدّ العالي فيها، وكذلك النقص في التدفق المائي بالصورة التي يمكن لها تحمّلها. مع ذلك، ترى أديس أبابا في التصور المصري مصادرة لحقها في استخدام المياه، وتقييداً للسدّ والطاقة التي ستُولَّد منه، مستندة إلى أن سياسة تشغيل «النهضة» يجب أن لا تخضع لشراكة واتفاق مع دول أخرى، في مخالفة واضحة للقانون الدولي وفق الخبراء.

جرّت أديس أبابا القاهرة إلى أسلوب تفاوض «خطوة بخطوة»


المشكلة أن المفاوِض المصري لا يخشى من مرحلة ملء خزان السدّ فقط، بل من السياسات المستقبلية للتخزين، ولا سيما في سنوات الجفاف، وهو ما ستكون له تأثيرات سلبية كبيرة في السدّ العالي وإنتاجه. حالياً، تطلب القاهرة الحفاظ على حصة ثابتة تُقدّر بـ40 مليار متر مكعب سنوياً من إيراد النيل الأزرق فقط، إلى جانب ما يأتي من نهر عطبرة والنيل الأبيض. كما أنها ترغب في ألّا يزيد ما تحجزه إثيوبيا سنوياً في سدّها عن 10 مليارات، على أن يُقسّم العجز مناصفة بين القاهرة والخرطوم وفق اتفاقية 1959، لتتحمل كل دولة خمسة مليارات في العام أثناء تخزين السدّ. أيضاً، قدمت مصر تنازلاً آخر باستغلال مخزون مياه السدّ العالي لتعويض الفارق في خلال السنوات الأولى لعمل «النهضة»، بشرط ألّا يقل منسوب المياه في بحيرة ناصر عن 165 متراً فوق سطح البحر، وذلك لتجنب تخفيضات كبيرة في الطاقة الكهربائية المولَّدة من «العالي»، لكن تحقيق هذه النسبة يستلزم وجود حصة المياه بالوفرة المتوسطة نفسها، فيما يتوقع أن تتصادف سنوات ملء خزان «النهضة» مع سنوات جفاف قد تؤدي إلى انخفاض المياه الموجودة في النهر! وعلى رغم خطورة الموقف جراء تلك المعطيات، تقوم الرؤية المصرية للتفاوض حالياً على محاولة الوصول إلى نقطة التقاء في المناقشات الفنية مع الإثيوبيين، والتوافق على إدارة ثلاثية للسدّ بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، على أن تكون هذه الإدارة «خطوة لتأسيس منظومة متكاملة لربط السدود الموجودة على حوض نهر النيل معاً، من أجل تحقيق الاستفادة منها، بما لا يضرّ بمصالح باقي الدول».
ويرى دبلوماسيو القاهرة أن التطور النوعي في سياسة إثيوبيا الخارجية، وتحديداً منذ تولّي آبي أحمد علي رئاسة الوزراء العام الماضي، لم ينعكس إيجاباً على أزمة «النهضة» إلا بالحرص على تخفيف التوتر، وزيادة التحرك السياسي، من دون أن يمتدّ إلى تغيير في النهج التفاوضي الإثيوبي، بالتوازي مع استمرار الانحياز السوداني إلى المواقف الإثيوبية حتى بعد رحيل نظام عمر البشير. ووفق الدبلوماسيين، يهدف أحمد علي إلى زيادة قدرة إثيوبيا على اجتذاب المزيد من الاستثمارات الخارجية، وتسكين الصراعات مع دول الجوار، فهو «قادم من رحم النظام الإثيوبي ومؤسساته، واكتسب خبراته في إطار الائتلاف الحاكم منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي»، كما «يمتلك بحكم مناصبه السابقة السياسية والأمنية علاقات دولية وإقليمية مهمة، لكن جاءت سياساته في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية لتصبّ لصالح بلاده» فقط، وهو ما يصعّب الموقف على المفاوض المصري، خاصة أن الأوضاع الأخيرة داخلياً وإقليمياً ربما تحيّد أطرافاً افترضت القاهرة أنها ستكون وسيلة ضغط بحكم علاقاتها معها، مثل الولايات المتحدة ودول الخليج.