القاهرة | استنفار الدولة المصرية لا يزال مستمراً، على رغم تراجع تأثير فيديوات المقاول والفنّان محمد علي، والتي يدعو فيها إلى التمرّد على النظام. الإشكالية الأساسية أمام السلطة حالياً هي طريقة احتواء الموقف، وإعادة الثقة مجدّداً بمؤسسات الدولة، بعدما تعرّضت لهزّة كبيرة على خلفية الاتهامات بإنفاق باذخ على تشييد القصور الرئاسية، فيما يُطلب من الناس التقشّف. صحيح أن هناك حالة غضب مكتومة، وأن شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تعد كما كانت قبل فيديوات علي، لكن المخاوف الكبرى هي من وجود مستندات أو أوراق برفقة علي ربما يُظهرها لاحقاً، وهي مخاوف منطقية في ظلّ الظهور المكثّف للرجل وتحريضه شبه اليومي ضدّ السيسي، ولذا ثمة تقارير يومية تعدّها أجهزة الدولة وتُسلّمها إلى مكتب الرئيس.

مع ذلك، لا أحد يمكن أن يتوقّع قرارات السيسي. فصراعات الأجهزة الأمنية بدأت تظهر أكثر في هذه الأزمة، خاصة مع وجود داعمين غير معلَنين لما يقوم به علي، يسعون إلى استغلال الموقف، ويعملون على استثمار أخطاء غيرهم من أجل التقرّب من الرئيس، بل إن مما يتردّد أخيراً وجود من يسرّبون للمقاول الهارب مزيداً من المعلومات لكي يتضاعف ارتباك الدولة. وفي اللقاءات المكثّفة التي عقدها السيسي خلال الأيام الماضية مع المسؤولين، استمع إلى وجهات نظر مختلفة، علماً أن غالبية الجلسات كانت غير معلنة. والآن، ثمة رأيان قدّمهما جناحان إلى السلطة، وفق مصدر مطلع تحدث إلى «الأخبار» عن الاجتماعات التي تُعقد لساعات طويلة يومياً، ولا يُعلن منها إلا اجتماع واحد فقط. الرأي الأول يقول: إن إعلان أيّ قرارات حالياً سوف يُفسَّر بأنه تنازلات من النظام أمام الضغوط التي يتعرّض لها، وسوف يزيد الوضع تعقيداً، ما يشكّل خطراً على النظام في المدى المتوسط، ولذلك شدّد أصحاب هذا الرأي على ألا تكون هناك قرارات استثنائية الآن. أما الرأي الثاني فيطالب بإعلان قرارات تخدم المصلحة العامة، وتكون صلاحيات الرئيس فيها محدودة، لتأكيد أن الدولة تعمل للمواطنين، وهو ما يبدو أنه أُخذ به، إذ أُعلنت فعلاً على لسان رئيس مجلس النواب علي عبد العال ونواب مدعومين من المخابرات في مقدمهم مصطفى بكري، النية لإجراء إصلاحات سياسية وإعلامية، وسط تلميحات إلى «تطبيق روح القانون» على المعارضين من دون اتباع أسلوب القمع المعتاد. هذه الإصلاحات تضمن بقاء رجال النظام في السلطة، واستمرارهم في إحكام سيطرتهم في الخفاء مع الاستعانة بأهل الخبرة في الظاهر. بمعنى آخر، يظلّ لـ«أهل الثقة» القرار الحاسم، حتى لو تم إبداء المزيد من المرونة سياسياً وإعلامياً. لكنّ مسؤولين لا يزالون يتخوّفون من إخلاء سبيل المحتجزين تحت سنّ العشرين من دون إحالتهم على النيابة، خاصة في ظلّ الخشية من إنهاك قوى الأمن المستنفِرة منذ أسابيع، والانتشار المكثّف للمخبرين والجنود بزيّ مدني خاصة في شوارع القاهرة والإسكندرية.

ثمة رأيان: الأول مع استمرار التشدّد والثاني مع إصلاحات شكلية


أيضاً، ثمة توجّه رسمي للنظر في المنظومة الإعلامية التي تُعيد محتوى مكرّراً من دون تأثير. وفي هذا الإطار، يتم تكثيف العمل على منصّات التواصل الاجتماعي وإنفاق مبالغ كبيرة عليها، وأيضاً تخصيص الخطاب للفئات العمرية ما بين 12 و35 عاماً. أما الإعلام التقليدي فحصر ساعات بثّه بثلاثة موضوعات هي: إنجازات السيسي، والحديث عن النظام القطري وانتهاكاته، ومحاربة تركيا لمصر في وقت تعاني فيه الأولى من مشكلات وقمع. اللافت أن هذه الموضوعات تعالَج بالشخصيات الرسمية والضيوف أنفسهم، بل مع السماح لهم بالسباب على الهواء وإطلاق اتهامات بالعمالة والتخوين. وفي مثال آخر، بينما كان الأمن قد قبض على أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة بعد مفاوضات بين الأخير ومعدّ فيلم وثائقي على المبلغ الذي سيتقاضاه الأول، يخصّص الإعلام التابع للمخابرات مكافآت ضخمة لضيوفه الذين يدافعون عن الدولة وصاروا مقيمين دائمين على الشاشات.
إلى ذلك، قرّرت «محكمة جنايات القاهرة» في طرة أمس، تمديد أجل الحكم في محاكمة 208 متهمين من بينهم الضابط المنشقّ هشام عشماوي في القضية المعروفة إعلامياً بـ«أنصار بيت المقدس»، حتى مطلع كانون الأول/ ديسمبر المقبل، «لتعذّر حضور المتهمين من محبسهم إلى مقر المحاكمة». وأسندت النيابة إلى المتهمين ارتكاب «جرائم تأسيس وتولّي قيادة جماعة إرهابية... والتخابر مع منظمة أجنبية متمثّلة في حركة حماس، وتخريب منشآت الدولة، والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصّد والشروع فيه، فضلاً عن إحراز الأسلحة الآلية والذخائر والمتفجّرات».