القاهرة | كأن العقد قد بدأ بالانفراط. فـ«الجنرال» انفعل بشدة من جراء تسجيلات المقاول والممثل المصري محمد علي، والتي تطرّق فيها إلى زوجة الرئيس ووالدته الراحلة. عبد الفتاح السيسي كان في قمة الغضب خلال الاجتماع الذي عقده مساء الإثنين الماضي بحضور مدير «المخابرات العامة» اللواء عباس كامل، ومدير مكتبه الرائد أحمد شعبان، لدراسة ردود الفعل، كما تنقل مصادر مطلعة. نقاشات مطولة ومقترحات بمعالجة الموقف عبر أكثر من طريقة، بعد قرارات بتكثيف «التطبيل» من المؤيدين وفي الإعلام التابع للدولة، لكن السيسي اتخذ القرار الأهم: الإعلام لن يتحدث؛ هو شخصياً من سيتحدث، قاطعاً بذلك مقترحات أخرى، من بينها توجيه أسرة محمد علي إلى الظهور بكثافة في الإعلام والردّ على ابنها.

و«خطة العائلة» كانت الأجهزة الأمنية قد بدأت تنفيذها فعلياً بظهور والد علي ثم شقيقه لمهاجمته، إلى جانب تدبير اتهامات له بالعمالة والتواطؤ مع قطر وتجنيده للعبث بمصالح الدولة، طبقاً لوجهة النظر الأمنية. كما أن «المخابرات الحربية» استبعدت أسرته بالكامل من أي أعمال ينفذها الجيش، وسحبت من أفرادها آلاف الأوراق، فضلاً عن منعهم بصورة غير معلنة من السفر. مع ذلك، قرر السيسي أن يكون رده في «مؤتمر وطني للشباب» ستُخصَّص جلستاه للحديث بصورة غير مباشرة عن تصريحات علي، وتعقبها محاورة للرئيس، خاصة أن المقاول الشاب يكيل الاتهامات يومياً في فيديوات مصورة صارت تتسم بدرجة عالية من الاحترافية، وهو يتوعّد بالرد على كل ما سيقوله الرئيس فور انتهاء الجلسات.
خُطّط للمؤتمر على عجل. القرار اتُخذ في «الاتحادية» مساء الإثنين. الإعلان الرسمي ظهر الثلاثاء (أول من أمس). الانعقاد السبت المقبل. المكان هو القاهرة لصعوبة تأمين انتقال «الجنرال» إلى محافظة أخرى. الجلسات ليوم واحد فقط. وكل ذلك قبل زيارة السيسي لنيويورك حيث سيترأس الوفد المصري المشارك في اجتماعات الأمم المتحدة. مؤتمر اليوم الواحد شبيه بالمؤتمر الذي أقامه السيسي في العاصمة أيضاً لإعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية مرة أخرى في شباط/ فبراير 2018، حينما توعّد بإقصاء المنافس الأبرز الذي أعلن ترشحه آنذاك، الفريق سامي عنان، الذي أُدخل السجن بعدها بأيام بتهمة مخالفة الأوامر العسكرية وممارسة الحياة السياسية من دون موافقة من الجيش، بحجة أنه لا يزال على قوة الاستدعاء. لكن تلك المخالفة صدر فيها قرار بحظر نشر التفاصيل، بل حكمت المحكمة العسكرية على عنان بالسجن عشر سنوات.
الخناق يشتد على نظام السيسي في الأيام الأخيرة. ففيديوات علي، والفساد الذي شارك فيه، وكشفه إياه عندما اختلف مع شركائه، كل ذلك زاد الحراك الشعبي والرفض المعلن للرئيس ونظامه في الشارع، وهو ما ظهر بوضوح في الاهتمام بكل ما يبثه الممثل، ليس عبر منصات الإعلام «الإخواني» الذي يبث من تركيا وقطر فقط، بل عبر قنوات «يوتيوب» وصفحة علي على «فايسبوك»، والتي تحقق نسب مشاهدة تفوق ما يحققه أيّ من البرامج التلفزيونية التي تكلف ملايين الجنيهات شهرياً، علماً بأن هذه التحركات أظهرت عجز كل ما سعت إليه المخابرات عندما قررت خنق الإعلام.
وإلى جانب دعوات التمرد التي أطلقها بعض الناشطين في الخارج، جاء ظهور وائل غنيم، أحد الداعين إلى «ثورة 25 يناير» كمفاجأة لكثيرين، بعد توقفه عن المشاركة في الحياة السياسية منذ سنوات. وغنيم، الذي دشّن صفحة «كلنا خالد سعيد» الداعية إلى تظاهرات «25 يناير» التي أطاحت نظام حسني مبارك، صار يتحدث عن مهادنة من نوع خاص. وأوضح غنيم، في الفيديو الجديد الذي ردّ عليه علي أيضاً، أن هذه «المهادنة» تتضمن خروج الشباب من السجون، والتفاوض مع السيسي و«المخابرات الحربية» للاستفادة من خبراتهما، مضيفاً أن ما حدث في 2011 كان «خطأ وغير قابل للتكرار»، علماً بأن غنيم ورفاقه لا يزالون خارج مصر خوفاً من ملاحقة الأجهزة الأمنية، ولا سيما أن رفاقهم في الميدان أصبحوا مؤيدين للسيسي، أو خلف القضبان. وعلى رغم الصورة الضعيفة والمهزوزة التي ظهر عليها غنيم في الفيديو، إلا أن كثيرين وصفوا ما طرحه بالفكرة التي يمكن البناء عليها: الحفاظ على المؤسسة العسكرية والاستفادة منها في المرحلة المقبلة، مقابل خروج آمن للسيسي من السلطة، حتى إن لم يقل ذلك صراحة. هذا كله يوحي بأنه في حال تصاعد الأمور بالوتيرة نفسها خلال الأيام المقبلة، ربما يكون نظام «الجنرال» مهدّداً داخلياً أكثر من أي وقت مضى.