حالة الفوضى التي يعيشها جهاز المخابرات المصري بسبب صراعاته الداخلية وأزمة الثقة والتنافس بين قياداته، انعكست على الإعلام على نحو فجّ في الأسابيع الأخيرة، كما تؤكد مصادر مطّلعة. فالإعلام وسوق إنتاج الدراما التلفزيونية يعانيان بشدة من فوضى المخابرات التي لا تزال تُجري ما تصفه بأنه «إصلاحات»، من دون تحديد موعد لحصاد ما تفعله. لا أحد يعلم ماذا سيحدث بعد ساعة، وليس بعد أسبوع أو شهر، في ظلّ القرارات المنفردة، وعمليات الاستغناء المفاجئة، وإعادة الهيكلة التي لا تنتهي.

«شركة إعلام المصريين»، التي استحوذت على القنوات الخاصة، هي نفسها التي تستغني الآن عن مئات العاملين فيها ضمن خطة «ترشيد النفقات»، مخالِفةً أبسط قوانين العمل، وهي التعويضات المالية المنصفة ومكافآت نهاية الخدمة. تفيد المصادر بأن أكثر من مئتي شخص خسروا عملهم أخيراً، في ظلّ عملية «دمج الإدارات»، في وقت تُجرى فيه تنقلات داخلية. والسيناريو الأكثر إثارة للريبة هو عودة بعض المفصولين مِمَّن لهم علاقة بضباط كبار إلى مواقعهم، لكن مع تخفيض رواتبهم. وعُرف من الذين أُقيلوا رئيس تحرير برنامج «هنا العاصمة»، خليل العوامي، الذي كانت تقدمه لميس الحديدي على «سي بي سي»، كما استُغني عن الطاقم العامل مع الإعلامي أسامة كمال، كلياً. وشملت قرارات الاستغناء الحالية التخلص من رؤساء تحرير البرامج المتّسمة بالقوة، سواء التي استُبعد مذيعوها قبل مدة أو التي تَقرّر استبعاد مذيعيها الآن (مع رؤساء التحرير)، وهو ما حدث في مختلف الشبكات. والظاهر أن حجة ترشيد النفقات ليست أكثر من غطاء (كما في كل مرة) للاستبعاد السياسي أو تصفية حسابات حتى مع الإعلاميين الذين صعدوا بفضل المخابرات، وفي مقدمهم أحمد الطاهري الذي ظلّ يتلقى دعماً كبيراً، لكن أُطيح فجأة.

لا أحد يعلم الأولويات التي يجب أن يركّز عليها بسبب تناقض التعليمات


من جهة أخرى، تقول المصادر نفسها إنه لا علم لدى أحد بالأولويات التي يجب أن يركّز عليها الإعلام، بسبب تناقض التعليمات وتغيّرها من لحظة إلى أخرى. كذلك، فقدت الشاشات المصرية هويتها لدرجة أن القنوات التي كانت تمتلك ــــ قبل سيطرة المخابرات ــــ قائمة محدودة من الممنوعين، صار لديها قائمة محددة من الضيوف، جراء اتساع دائرة المنع لتشمل غالبية المتخصصين الفعليين، بل وصل الأمر إلى أن شاشات عدة تستعين بعاملين فيها وتُقدّمهم على أنهم خبراء في الملفات التي يتابعونها من دون توضيح جهة عملهم!
سياسة الصمت التي يتبعها العاملون في الإعلام تبدو خيارهم الوحيد حتى إشعار آخر، فالمفصولون يصمتون أملاً بإعادتهم قريباً، والعاملون لا يتحدثون عن زملائهم خوفاً من إلحاقهم بهم. ولا مجال للعمل الإعلامي في مصر إلا عبر «إعلام المصريين» التي تمتلكها المخابرات، أو شبكة قنوات «ام بي سي» السعودية التي تعمل على استحياء في الشأن السياسي، كما أنه لا مجال للتدريب أو تنظيم الفعاليات إلا عبر أنشطة «المعهد الدنماركي للحوار»، والتي تديرها نهى النحاس التي تعمل مع المخابرات أيضاً، لكن هذه المرة بأموال أوروبية.
إلى جانب تدخل المخابرات في الإعلام، ثمة تدخل في الإنتاج الدرامي والسينمائي، وهنا يفرض الجهاز سياسة الأمر الواقع، سواء بالدخول شراكة في مجال الإنتاج ضمن المشاريع التي يُتوقع نجاحها فقط، وذلك من دون دفع أموال، كما حدث مع المنتج وليد منصور، أو بتصفية عمل المنافسين من أجل احتكار السوق مثلما حدث مع شركتَي «نيوسينشري» و«العدل غروب». جراء هذا، توقفت عجلة الإنتاج الفني متأثرة بالارتباك والتدخلات المختلفة، وسط إحباط شديد بسبب توغل المخابرات في مجالات هي على غير خبرة فيها أصلاً.