القاهرة | ظاهرياً، يبدي نظام عبد الفتاح السيسي «جدية في التعامل مع عملية التنمية» في سيناء. لكن النيّات وحدها لا تكفي لتحقيق هذه التنمية. منذ عقود، ولا سيما في السنوات الأخيرة، يواجه السيناويّون ظروفاً صعبة على جميع المستويات، حتى في المناطق البعيدة عن المواجهات بين الجيش والعناصر المسلحين الذين يسعون دوماً إلى السيطرة على قطاعات من الأراضي. على رغم تركّز هذه المواجهات في الشمال، بل جزء محدد منه، إلا أن الأوضاع في الجنوب أيضاً ليست أفضل حالاً. هناك كذلك معاناة من ظروف اجتماعية وإنسانية بالغة السوء.

في 2012، أسّست الحكومة «الجهاز الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء»، ورأسه مدير «المخابرات الحربية» في شمال سيناء، اللواء محمد شوقي رشوان، على رغم كراهية أهالي الشمال للرجل بسبب أسلوبه في التعامل. ظلّ رشوان على رأس الجهاز الذي يتخذ من طبقة في مبنى فاخر في القاهرة مقراً رئيساً له، فيما عمل اللواء نفسه على بناء عمارة فخمة في شمال سيناء، وتحديداً عند مدخل مدينة العريش، لتكون مقراً للجهاز الذي لا يمارس أي سلطات عملية هناك، بل يتقاضى العاملون فيه رواتبهم بالدولار الأميركي بموجب اتفاقية بين الحكومتين المصرية والأميركية مرتبطة بتحقيق التنمية.
«جهاز التنمية»، الذي يفترض به الترويج لـ«المشروعات والفرص الاستثمارية الواعدة» في مناطق مختلفة في سيناء، اقتصر دوره على البيانات فقط، فلا هو جذب فرصة واحدة حقيقية منذ إنشائه، ولا قام بدوره في مساعدة الدولة على الوصول إلى أهالي سيناء، بل إن كثيرين لا يعرفون عن وجوده من الأساس، خاصة أن القائمين عليه لا يوجدون إلا في المناسبتين اللتين تُذكر سيناء فيهما: «عيد التحرير» في 25 نيسان/ أبريل، و«العبور» في «السادس من أكتوبر».

غياب الرؤية
قبل وصول السيسي إلى الحكم، كان الرئيس الراحل، محمد مرسي ـــ الذي حكم لعام فقط ــــ قد وضع خطة لتنمية عدد من المناطق في شبه الجزيرة، قُدّرت تكلفتها بنحو ستة مليارات جنيه (800 مليون دولار آنذاك). لكن غالبية المشاريع التي شُرع فيها واجهت مشكلات عدة مرتبطة بالصدام مع بدوٍ يضعون أيديهم على الأرض، وبتخاذل قوات الجيش والشرطة في تنفيذ القانون. هذا الموقف تغيّر تماماً مع وصول السيسي، إذ بدأت القوات التعامل بحسم مع جميع الملفات، وفق آليات تدرّجت من التفاوض إلى نزع الملكية بالقوة الجبرية والتعويض المالي وفق ما يحدده الجيش الذي صارت له الكلمة العليا في المنطقة.

اقتصر دور «جهاز التنمية» على البيانات من دون أن يجلب فرصة استثمار حقيقية واحدة


لكن، لا يمكن النظر إلى «تنمية سيناء» من دون التدقيق في التقسيمة القديمة التي لا تزال موجودة حتى الآن. فهناك الشمال الفقير المعتمد على اقتصاد انتعش بعمليات التهريب إلى قطاع غزة قبل تدميره بالكامل جراء إغلاق الأنفاق. وهناك الوسط المعدم الذي لا تتوافر فيه مقومات الحياة باستثناء مناطق محدودة وغير مأهولة بالسكان. وأخيراً الجنوب الذي يتركز فيه النشاط السياحي، ولا سيما مدن شرم الشيخ ودهب وطابا. أيضاً في الشمال، لم يعد مسموحاً للمصريين الدخول من دون الحصول على تنسيق من المخابرات، وهو تنسيق يشبه إذن الدخول إلى غزة للفلسطينيين والأجانب، كأن الشمال منطقة خارج الحدود تحتاج موافقة للدخول إليها أو حتى الخروج منها. هذه الخطوة ارتبطت بتعنت الجهات الأمنية في التعامل مع المنطقة بداعي مواجهة الإرهاب، علماً بأن حظر التجوال وحالة الطوارئ لا تزال معلنة في الشمال منذ سنوات ومن دون أمل بالإلغاء.

الشمال المظلوم الأكبر
على الحدود مع القطاع أيضاً، كان الجيش قد أخلى بالقوة قبل سنوات سكان مدينة رفح لدواعٍ أمنية، ودمّر البيوت على مدى الشريط الحدودي بعرض يصل إلى أكثر من 2 كلم لتصير مساحة فارغة من دون مبانٍ. قرارٌ ارتبط بالرغبة في القضاء على التهريب من غزة وإليها، ثم تبين أن هناك أنفاقاً وصل طولها إلى أكثر من 3 كلم في الجانب المصري، بل تسمح بعبور شاحنات في الاتجاهين، وليس أفراداً فقط. لكن الجيش يقول إن الإغلاق، الذي أجلى عشرات الأسر، أسهم في ضبط الأوضاع بصورة كبيرة والحدّ من «الأنشطة غير المشروعة» على الشريط الحدودي.
وكانت الحكومة قد اتبعت سياسة التدرج في الإخلاء، فكانت القرارات تصدر تباعاً لتطيح المباني الموجودة في المدينة التي شهدت طفرة كبيرة في السنوات التي سبقت الهدم نتيجة الانتعاشة الاقتصادية من التهريب، خاصة إبان حكم مرسي، إذ تحولت رفح المصرية إلى ما يشبه المستودع الذي تُخزَّن البضائع فيه قبل تهريبها عبر الأنفاق. وبعد خسارة الأهالي الاستفادة من هذه الطفرة، لم تنفذ الحكومة وعودها لِمَن جرى إجلاؤهم، فمدينة رفح الجديدة التي تعهد الجيش بناءها بعد تحديد موقعها بعيداً عن الحدود لم تبنَ، والسيسي الذي تحدث عن المشروع في أكثر من مناسبة صار يتجاهله كلياً بعدما أكد في تصريح أن الظروف ليست مناسبة لبدء العمل فيه، فيما بات الأهالي بعيدين منذ سنوات عن مكان نشأتهم من دون موعد محدد، ولو مبدئياً من أجل عودتهم.

لم تعد العائلات التي هُجرت من الشريط الحدودي ولا الأقباط، كأنّ الملف أغلق كلياً


هكذا، لم تطلب الدولة من المواطنين رسمياً الهجرة، لكنها فعلت كل ما يمكن أن يدفع أي شخص كي يهجر المكان الذي نشأ فيه. صحيح أن هناك نشاطاً للجماعات المسلحة على نحو ملحوظ، كان ولا يزال مستمراً، لكن ما يقوم به الجيش إجبار للسكان على الرحيل، فالظروف الاستثنائية التي فُرضت استمرت حتى صارت جزءاً من الحياة اليومية لِمَن أراد أن يبقى في سيناء ما بقي من حياته. فضلاً عن حظر التجوال، ومنع الدخول والخروج إلا بموافقات، هناك ممارسات أخرى لا تقلّ سوءاً، منها أن صرف المحروقات للسيارات يجري بقيود وبكميات محددة، فيما تواجه المدن نقصاً في الكهرباء التي تتعرض لانقطاعات ناتجة من استهداف المحطات والكابلات التي يتأخر إصلاحها لأسباب أمنية. كذلك ترتفع أسعار السلع بسبب زيادة كلفة النقل من العاصمة والمدن الصناعية وساعات الانتظار الطويلة التي تقضيها سيارات نقل الأغذية للوصول إلى شمالي سيناء.
وبناءً على تقييمات من جهات عدة، تبدو الحياة في مدينة الشيخ زويد الأصعب، يليها العريش ثم بئر العبد. مع ذلك، لا يزال عدد كبير من العائلات يرفض المغادرة، مفضّلاً البقاء، مع أن مقومات أساسية أخرى مثل التعليم لم تسلم من التراجع، لدرجة أن عدد الأسابيع التي عملت فيها المدارس هذا العام هي الأقل على الإطلاق، مع تراجع أعداد المعلمين هناك بصورة كبيرة، وغياب التلاميذ عن المدارس. وفي العام الماضي، أُلغيت الدراسة في الفصل الدراسي الثاني كله، واعتُبر جميع الطلاب ناجحين للعام التالي مباشرة، فيما جرت امتحانات الثانوية العامة في الإسماعيلية (خارج سيناء)، كذلك تعطلت الدراسة في جامعة سيناء ــــ الجامعة الخاصة الوحيدة بالعريش ــــ لأسابيع، وأيضاً لأسباب أمنية.

حكاية الأقباط
ضمن مسلسل التهجير، أجْلت السلطات العائلات القبطية من العريش والشيخ زويد قبل نحو عامين، مع وعدٍ بالعودة سريعاً إلى حياتهم ومصالحهم. والآن، ليس هناك أصلاً موعد لعودتهم بعدما أغلقوا منازلهم ومحلاتهم وتركوها، على رغم أنه بنسبة كبيرة قُضي على تهديدات «داعش» الذي نفذ عمليات اغتيال للأقباط لإجبارهم على الرحيل، كما تقول الدولة التي تطبّق الآن هدف التنظيم برحيل هؤلاء، على رغم محدودية الأسر القبطية التي كانت تقيم في العريش.
حصلت الأسر المغادرة على تعويضات مالية لا تساوي لغالبيتها ما كان لديها، في وقت يبدو فيه أن ملفهم صار كأنه منسيّ عن عمد في أحاديث المسؤولين، بل لم يعد هناك حديث عن عودتهم أو طرح موضوعهم إعلامياً، بأوامر سيادية، تحت حجة تجنّب التذكير بالتفرقة الطائفية ضد الأقباط، إلى حدّ باتت فيه الكنيسة نفسها لا تفتح هذا الملف على الأقل إعلامياً.

الوسط والجنوب ليسا أحسن
في وسط سيناء، يبدو الوضع قاسياً، إذ إن الجيش يفرض طوقاً عسكرياً على المنطقة ذات الطبيعة الجبلية، والتي تقلّ فيها البقع ذات الكثافة السكانية العالية. طبيعة تجعل العسكر يحجم عن الدخول إليها خوفاً من التورط في جيوبها، لكنه ينسّق مع القبائل المستقرة فيها لتوفير الاحتياجات الأساسية لها. أما الجنوب، فيبدو سكانه أكثر حظاً، سواء في مدينة الطور التي تعتبر رسمياً عاصمة الجنوب، حيث تقام مشروعات في مجال التنمية وإنشاءات في المباني ومحطات المياه والصرف والكهرباء، بالإضافة إلى بوادر مشروعات استثمارية. وكذلك الحال في منطقة سانت كاترين الأثرية التي يجري تطويرها لتعظيم العائد الاقتصادي من السياحة فيها، وصولاً إلى شرم الشيخ التي هي أهم مصادر الجذب السياحي، وتم أخيراً تطويقها بسور من جميع النواحي، وتحديد مداخلها ومخارجها مع إحكام عملية المراقبة بالكاميرات في شوارعها. كذلك فإن مدينتي دهب وطابا على حال مشابهة، وإن كانت الأخيرة تتمتع بخصوصية بسبب السياحة التي ترتكز على الإسرائيليين، والتي تدرّ على المدينة عائدات مهمة، خاصة مع الامتياز الممنوح لحامل جواز السفر الإسرائيلي بالدخول إليها من دون تأشيرة، في وقت تقلّ فيه أسعار الخدمات داخلها عن مثيلاتها في «إيلات» (أم الرشراش) بنحو الثلث، وهو ما يجعلها الوجهة المفضلة للإسرائيليين.



تركيز على الأنفاق والاستزراع السمكي


حرص عبد الفتاح السيسي على إبداء اهتمام استثنائي بمشاريع التنمية في سيناء، في ظلّ وجود مصادر هناك يمكن استغلالها لتحقيق عائدات اقتصادية لصندوق الدولة، وكذلك إمكانية إنشاء مناطق صناعية في المنطقة المتميّزة بموقعها بالقرب من قناة السويس. وعلى رغم أن أجزاء من سيناء تدخل في نطاق «مشروع تنمية محور قناة السويس»، وأن أجزاء أخرى منها يشملها مشروع «مدينة نيوم» السعودي، إلا أن التركيز في المرحلة الماضية كان على مشروعين حصراً هما الأنفاق ومزارع الأسماك.
إذ يعمل الجيش على شقّ ثلاثة أنفاق أسفل قناة السويس، افتتح الأول منها في أيار/ مايو الماضي، فيما يجري العمل في النفقين الآخرين. وبينما أُلغي مشروع النفق المخصص للسكة الحديدية بسبب ارتفاع تكلفة إنشائه، تُموَّل الأنفاق الجاري العمل عليها من 64 مليار دولار جمعها السيسي من المصريين لتدشين قناة السويس الجديدة. والجدير ذكره أن هذه الأنفاق هي الأضخم على الإطلاق منذ تحرير سيناء التي كانت ترتبط بباقي مصر عن طريق نفق الشهيد أحمد حمدي وجسر السلام (الأخير مغلق منذ 2014 لدواعٍ أمنية). وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة العمل على إنشاء مزارع للاستصلاح السمكي، مقابل زراعة مساحات محددة من الأراضي في سيناء اعتماداً على المياه الجوفية.