منتهكاً الدستور الذي أقسم على الالتزام به في ولايتَيه الماضيتين، يواصل الجنرال المصري، عبد الفتاح السيسي، سياسة حكم الفرد التي يتبعها منذ تبوّئه سدّة الرئاسة عام 2014. المشير، الذي وصل إلى السلطة على ظهر تحرك عسكري تم تصديره على أنه دعم للإرادة الشعبية، بات راغباً في البقاء في منصبه مدى الحياة، وهو اليوم يمرّر تعديلاً دستورياً يسمح له بالمكوث حتى 2030 بشكل مبدئي، على أن تعقب ذلك كتابة دستور جديد يمنحه حق البقاء إلى أن يشاء القدر.

في مادته الرقم 226، يحظر الدستور الحالي تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بمزيد من الضمانات. لكن التعديلات الحالية مرتبطة بضمان استمرار السيسي في السلطة، وبقاء نظامه كما هو من دون تغيير، وليس بمبادئ الحرية والمساواة التي خرج الشباب من أجل المطالبة بها في ثورة 25 يناير. الثورة التي طالبت بتداول سلمي للسلطة، يقضي النظام اليوم على آخر آمالها، فالدستور بعد التعديلات سيكون نسخة من دستور 1971 وتعديلاته المشوّهة التي أدخلها مبارك ليضمن «الخلود» في الرئاسة، مع إطار شكلي للديموقراطية.
لم يستطع الجنرال أن يمرّر التعديلات كما أرادها في البداية. مدة الرئاسة لم ينجح في جعلها مفتوحة بلا حدّ أقصى، وخاصة بعد الـ«فيتو» الأميركي الذي تلقّاه خلال زيارته لواشنطن قبل أقلّ من أسبوعين على الاستفتاء. ومن هنا، قرّر العدول عن مشروعه بنصوص انتقالية وأفكار لم تكن مطروحة قبل رحلة بلاد «العام سام»: تمديد الولاية الحالية عامين استناداً إلى تعديل مدة الرئاسة لتكون 6 سنوات بدلاً من 4 فقط بالدستور الحالي، وصولاً إلى نص استثنائي يستفيد منه هو فقط بأن يكون له حق الترشح لولاية ثالثة مع الاحتفاظ بأحقية أي مرشح في تولي المنصب لدورتين متتاليتين فقط، في وقت لم يلق فيه النموذج الروسي، «فلاديمير بوتين ـــ ديمتري ميدفيديف»، ترحيباً لدى السيسي لعدم ثقته في مَن يمكن أن تُسند له المهمة صورياً.
تفرّغ البرلمان، الذي لم ينجز العديد من المهمات القانونية والدستورية المنوطة به، ومن بينها قانون البلديات لإجراء انتخاباتها المتوقفة منذ 2010، لينجز طلب التعديل الموقع من «ائتلاف دعم مصر»، مُمرّراً التعديلات بالفعل في غضون أسابيع باعتراض 22 نائباً، وامتناع نائبة واحدة، وموافقة 531 نائباً، من بينهم نواب كتلة «حزب النور السلفي»، الذي تعرض لهجوم حاد بسبب موقفه هذا من قِبَل قواعده الشعبية التي تراجعت بشدة. في خلال مناقشات اللجنة التشريعية في مجلس النواب، تم التداول في إمكانية تطبيق ولاية السنوات الست بأثر رجعي، بحيث تصبح الانتخابات الرئاسية في 2026 بدلاً من 2024، لكن فقهاء القانون أكدوا عدم دستورية الخطوة؛ نظراً الى انقضاء أثر الولاية الأولى مع انتخاب السيسي رئيساً في الولاية الثانية. ومن ثمّ، تمّ الاكتفاء بتمديد الولاية الحالية فقط، والتي ستؤجل إجراء الانتخابات الرئاسية لعامين. جلسات مناقشات استمرت نحو شهرين، منها شهر لم يحدث فيه فعلياً أي تطور ملموس. وإذ جرت دعوة الأحزاب المعارضة (التيار الديموقراطي) للمشاركة في المناقشات لاستكمال الإطار الشكلي للتعديلات، لم يؤخذ بتحفظاتها في شأن مدة الرئاسة أو توسيع صلاحيات محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. لكن رئيس البرلمان، علي عبد العال، عمل على إفساح المجال أمام أكبر قدر من الانتقادات، بما فيها المُوجّهة لرئيس الدولة شخصياً، بهدف تصدير صورة من الديموقراطية وتبادل الآراء.

البلد الذي «يعاني من قلة العمل» كما يقول السيسي تستحدث له التعديلات «مجلس شيوخ»


في التعديلات الجديدة، ستكون للمرأة حصة 25% من مقاعد مجلس النواب، بينما سيكون للقضاة مجلس أعلى يرأسه رئيس الجمهورية، ويضمّ رؤساء الهيئات القضائية، وهو المجلس الذي سيزيد من صلاحيات السيسي في القضاء، بعدما اتنزع مجدداً أحقية رئيس الجمهورية في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وانتزع من الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية حقها في ترشيح رئيس المحكمة ونوابه وأعضاء هيئة المفوضين الذين بات اختيارهم محصوراً في السيسي، فضلاً عن إعادة استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، الذي كان قد ألغي في الدستور الحالي.
في دولة منهك اقتصادها، ومثقلة بالديون، فاجأ عبد العال، النواب، بالإعلان عن كتابة دستور جديد بعد إجراء التعديلات الدستورية، بحجة أن الأخيرة غير كافية. صحيح أنه لم يحدد الموعد على وجه الدقة، لكنه قدّره بما بين 5 و10 سنوات على الأكثر. إذاً، ما الداعي إلى استعجال التعديلات؟ هل «كوتة» المرأة في المجلس والتي يفترض أن تكون بنسبة 25% في الانتخابات المقبلة؟ أم التعديلات الخاصة بالجيش والتي تنص على حمايته لمدنية الدولة؟ أم التعديلات الخاصة بآلية تعيين القضاة في المحكمة الدستورية واختيار رؤساء الهيئات القضائية؟ تساؤلات عديدة أثارتها تصريحات رئيس البرلمان الذي وصف التعديلات بأنها «ترسّخ للحرية والعدالة ولا تورّث الحكم».
سبب الاستعجال في إجراء التعديلات، وإرجاء الدستور الجديد لما بعد 5 سنوات على الأقلّ، هو ضرورة الإشراف القضائي على الانتخابات والاستفتاءات التي تجرى في السنوات العشر التي تلي دستور 2014، حيث نصت المادة 210 على إجراء جميع الاستحقاقات تحت إشراف قضائي كامل خلال السنوات العشر التالية فقط، بينما تجرى بعد ذلك وفق القانون الذي ستتم صياغته، وهو ما يعني أن انتخابات الرئاسة التي ستجرى في آذار/ مارس 2024 ستخرج من تحت الإشراف القضائي الكامل لتفتح مجالاً لتزوير محتمل يجري تجهيزه من الآن.
البلد الذي «يعاني من كثرة المناصب وقلة العمل» كما يقول السيسي دائماً، تستحدث له التعديلات غرفة برلمانية جديدة باسم «مجلس الشيوخ»، الذي يعين الرئيس ثلث أعضائه، ويكون بلا صلاحيات تذكر، لكنه موجود كهيئة استشارية. فلجنة الخمسين التي وضعت الدستور الحالي ألغته من حساباتها ترشيداً للنفقات، بينما أعاده البرلمان الذي يقرّ موازنات تقشفية كل عام لتخفيض الدعم عن المواطنين في محاولة لسدّ عجز الموازنة.
ستكون التعديلات هي الاستحقاق التاسع الذي يجرى منذ 2011 حتى الآن، والاستفتاء الرابع بخصوص الدستور بعد استفتاءات 2011 و2012 و2014، لكن المؤكد أن النتيجة ستخرج بنعم؛ فتاريخ مصر في الاستفتاءات الشعبية لم يعرف منذ تحول النظام إلى الجمهورية عام 1952.