قضاة «الهيئة الوطنية للانتخابات» ليسوا مستقلين. اللجنة التي نصّ الدستور على إسناد مهمة إدارة الاستفتاء والانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية لها، يعجز قضاتها عن اتخاذ قراراتهم، بل عليهم فقط تنفيذ ما هو مطلوب منهم. لم يكن ينقص رئيسَها، المستشار لاشين إبراهيم، سوى أن يقول في كلمته قبل الدعوة للاستفتاء على الدستور: «وافقوا بنعم».

في النص الحالي للدستور، تقوم «الهيئة الوطنية» بدور إعلان موعد الاستفتاء والرقابة عليه. لكن بموجب التعديلات الجديدة، أضحت «الهيئة» متلقية للتعليمات من الجهات السيادية التي حددت موعد الاستفتاء قبل شهر من إعلانه رسمياً في مؤتمر صحافي عصر الأربعاء الماضي، أي قبل أقل من 36 ساعة على فتح باب الاقتراع في أول لجنة انتخابية في السفارة المصرية في نيوزيلندا، حيث يجري اقتراع المصريين في سفارات الخارج من الـ9 صباحاً ولغاية الـ9 مساءً بالتوقيت المحلي لكل دولة.
تلقت «الهيئة الوطنية» المواعيد من الجهات الأمنية قبل أكثر من شهر، وبدأت العمل لتنجز جميع مهماتها وتوزع القضاة على اللجان وتخبرهم بالتفاصيل حتى قبل أن يصلها الخطاب الرسمي من الرئاسة. فبموجب الدستور والقانون، تُرفع التعديلات الدستورية بعد الانتهاء منها لرئيس الجمهورية، الذي يقوم بدوره بإخطار «الهيئة الوطنية» التي يمنحها الدستور شهراً لإنجاز عملية الاستفتاء، لكن بسبب الإجازات فضلت اللجنة أن تعمل قبل أن يصلها أي شيء.
العجلة في إمرار التعديلات جعلت البرلمان ينهي التصويت عليها مساء الثلاثاء، لتعقد اللجنة مؤتمر إعلان الاستفتاء ظهر الأربعاء، فيما لم يخاطب الرئيسُ، «الهيئة»، بدعوة الناخبين للاستفتاء، إلا بعد ساعات من وصول المشروع إليها من البرلمان. كذلك، دفع الاستعجال إلى طباعة أوراق الاقتراع والاتصال بالقضاة حتى قبل الانتهاء من صياغة التعديلات، في وقت دخلت فيه أجهزة مختلفة في سباق مع الزمن لإنهاء إيصال بطاقات الاقتراع إلى السفارات المصرية في الخارج. وسبب عدم تمكنها من طباعة التعديلات على أوراق الاقتراع، تركت «الهيئة» للمواطن الحق بالتصويت بنعم أو لا فقط، فيما تحاول توفير نصوص التعديلات لتكون بحوزة عدد من اللجان قبل فتح صناديق الاقتراع.

لم تحدد «هيئة الانتخابات» أي آليات لكشف التزوير أو التلاعب أو التصويت مرتين


في كلمته الأخيرة التي استمرت نحو ساعة، قال رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات» إن «الشعوب هي أيضاً التي تعدل أحكام الدساتير وتستبدل غيرها بها، وإن الدستور لن يكون فعالاً ما لم يعبّر عن واقعِ الحال ويحقق آمال الشعب وطموحاته ويتلاءم مع ظروفه وحاجاته»، مخاطباً القضاة بالقول: «تباحثوها وأبدوا رأيكم في التعديلات الدستورية»، ليمرّر رئيس «الهيئة» مع القضاة العشرة الأعضاء، بسرعة البرق، التعديلات التي يفترض أنها تحدد مستقبل الأمة، لكن إبراهيم أراد فقط موافقة من دون مناقشة، والمبرر الوحيد هو قرب حلول شهر رمضان، على رغم أن الدستور لا ينصّ على عدم إجراء الاستفتاء في هذا الشهر، إلا أن اللجنة لا تريد على ما يبدو إرهاق القضاة.
فتحت «الهيئة» أبواباً كثيرة للتلاعب في الاستفتاء، كإتاحة التصويت للوافدين في أي لجنة بموجب كشوف خاصة، مغايرة للكشوف الانتخابية التي تجري طباعتها بكثافة، بالإضافة إلى وضع لجان خاصة في المناطق الصناعية والمشروعات القومية ليقوم العاملون فيها بالتصويت على التعديلات، من دون أن يؤثر ذلك بعملهم، خاصة في ظلّ عدم منح الحكومة أي إجازات بمناسبة الاستفتاء.
كذلك، لم تحدد «الهيئة» أي آليات لكشف التزوير أو التلاعب أو التصويت مرتين أو أكثر، خاصة أن الكشوف ورقية، ومراجعتها قبل إعلان نتيجة الاستفتاء إلكترونياً مستحيلة، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتزوير، في ظلّ عدم وجود ماكينة إلكترونية لجميع اللجان الانتخابية تسمح بمنع التصويت المزدوج خلال أيام الاستفتاء الثلاثة. صحيح أن ثمة احتمالاً لأن تحمل بعض صناديق الاقتراع كلمة «لا» سراً خلف الستائر، لكن عدداً من المواقع التي اختيرَت يمكن أن يجري فيها تغيير للصناديق بسهولة، بما من شأنه التأثير بعملية التصويت بشكل كامل.