القاهرة | تتعنّت الدولة المصرية حتى في تطبيق أبسط القواعد الإنسانية مع المحتجزين من جماعة «الإخوان المسلمون» المحظورة، في سلوك لم يعد مرتبطاً حصراً بحالات الإخفاء القسري والتعذيب أثناء التحقيق وغيرها من الممارسات، بل بلغ الأمر مداه مع رفض العلاج خارج المستشفيات الموجودة في السجون، أو أي التماسات يتقدم بها متهمون محبوسون على ذمة قضايا إرهابية، في تجاهل كامل لأبسط معايير حقوق الإنسان، حتى لو أدى ذلك إلى الوفاة. وهنا طبعاً تغيب الأرقام الرسمية عن حالات الوفاة بسبب التعذيب أو الإهمال، فيما تنشر الجماعة أرقاماً كبيرة في هذا الشأن لا يمكن التوثّق منها.

ومن المعروف أنّ في لوائح السجون المصرية أموراً يمكن استغلالها لمصلحة المسجون، ويمكن أيضاً استخدامها ضدها، نظراً إلى رهنها بالسلطة التقديرية التي ترجع إلى الضابط والمحقق أيضاً، وهو ما ظهر في استغلال هذه اللوائح وفق الأهواء وطريقة التعامل مع الشخص ذاته وعائلته. فالرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، عندما صدر قرار حبسه قضى عقوبته في المستشفى، رغم أنه لم يدخلها من قبل، ولم يدخلها أيضاً بعد الإفراج عنه، ما يعني أن الهدف كان تأمين مكان مناسب له. كذلك، رجل الأعمال هشام طلعت، الذي أدين بقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم، حصل على عفو صحي بسبب وضعه ليخرج من السجن، لكنه باشر عمله رئيساً لإحدى كبرى شركات المقاولات في البلد. الأمر نفسه انطبق على غالبية رموز نظام مبارك الذين نقلوا إلى مستشفيات خارج أسوار السجن لمدد طويلة لتلقي العلاج أو لإجراء عمليات جراحية كان يمكن إجراؤها في المستشفى الخاص بالسجن، لكنهم فضلوا العلاج على نفقتهم الخاصة، ولا سيما أنهم يملكون الأموال التي توفر لهم هذه الحظوة، كذلك سُمح لغالبيتهم بزيارات استثنائية وفق اللوائح المشار إليها.
ورغم أن اللوائح لم تتغير، فإن ما يحدث الآن مع رموز «الإخوان»، سواء على مستوى القيادات أو الشباب، يؤكد أن «الداخلية» تتعنّت معهم على خلفية موقف سياسي معارض للجماعة. إذ لم يعد القضاء يُخضعهم لفحوص طبية عادلة عبر «مصلحة الطب الشرعي»، في وقت تُرفض فيه غالبية طلباتهم بتوقيع الكشف الطبي عليهم. هكذا تواصل الوزارة سياسة القمع في التعامل مع «الإخوان» حتى مِمَّن لم يدانوا بأحكام قضائية، ويصل الأمر إلى رفضها تسهيل خطوات الإفراج عنهم عند صدور قرار بإخلاء سبيلهم، أو منع أهاليهم من الزيارات الدورية واقتصارها على دقائق محدودة بعد ساعات من الانتظار، لكنها بلغت مداها في الموضوع الطبي، خاصة مع سوء أوضاع غالبية المسجونين بسبب التكدس، فضلاً عن سوء التغذية وقلة نظافة المراحيض وأماكن الإعاشة.

لم يسبق أن حوسب أي سجّان أو طبيب على إهمال أدى إلى وفاة


فمثلاً، قبل شهور، عندما عانى مرشد الجماعة السابق (الراحل)، محمد مهدي عاكف، من السرطان، تمسكت «الداخلية» بعلاجه داخل مستشفى السجن، إلى أن وافقت قبل أسابيع قليلة من وفاته على نقله إلى مستشفى القصر العيني بعد تدهور حالته. كذلك، لم يُسمح إلا لحالات محدودة جداً بالانتقال للعلاج في مستشفيات خارج السجن. وآخر الحالات المرفوضة هي محمد البلتاجي المحبوس على ذمة قضايا عدة، إذ رفض الضباط طلب علاجه على نفقته الخاصة، رغم تأكيد أسرته تدهور حالته ومعاناته من جلطة، علماً أنه لم تسبق في تاريخ الوزارة إحالة أي طبيب أو ضابط على المحاسبة بسبب سوء تقدير الوضع الصحي لمسجون والتمسك ببقائه في السجن من دون رعاية كافية.
التعنت امتدّ كذلك إلى الطلبات الإنسانية، وهو ما واجه الإعلامي الشاب شادي أبو زيد مع والده، فقد قدّم أكثر من طلب لزيارة والده في أيامه الأخيرة، وهو يحتضر لكن لم يسمح له، إلى أن حصلت الموافقة على «خروج استثنائي» ليحضر الجنازة، رغم أنه تقرر إخلاء سبيل الشاب بعدها بأيام بتدابير احترازية، مع العلم أن القضية المتهم فيها معتمدة بالكامل على تحريات «المباحث» و«الأمن الوطني» المبنية بدورها على أقوال مرسلة من دون أي أدلة حقيقية.