القاهرة | على مدار ثلاثة أيام، أنفقت الدولة المصرية عبر جهات خاصة وحكومية ملايين الجنيهات لإقامة «ملتقى الشباب العربي والأفريقي»، الذي أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي تدشينه في ختام فعاليات النسخة الثانية من «منتدى شباب العالم» في شرم الشيخ (تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي). مؤتمر جديد بعد أقلّ من أربعة أشهر على المؤتمر السابق، اقتصرت فعالياته على يوم واحد من العمل المطوّل، ويوم احتفالي يسبقه، ويومين للجولات الترفيهية!

هكذا ينفق السيسي أموال الدولة التي تعاني من نقص حاد في الموازنة وارتفاع الديون. ومع أن كلفة الملتقى تحمّلتها شكلياً الشركات والجهات الراعية بالأمر المباشر، وفي مقدمتها البنوك، فإن الدولة تحملت أموالاً كثيرة أيضاً، كما تشرح مصادر مواكبة، بداية من كلفة سفر غالبية الوزراء وطواقم الحراسات الخاصة بهم، وصولاً إلى الإجراءات الأمنية المشددة التي شهدتها شوارع مدينة أسوان السياحية، في وقت يفترض فيه أنه موسم سياحي جيد للمدينة، لكن المؤتمر عرقل وصول الرحلات النيلية العائمة، فضلاً عن إغلاق جميع الطرق والمنافذ باستثناء حاملي التصاريح الرئاسية.
هذه المرة لم يتحرك موكب السيسي على البرّ سوى مرات محدودة، فالرئيس الذي أقام في استراحته المطلة على النيل بالقرب من السد العالي كان يتحرك بالمركب فقط، إذ جاء انعقاد الملتقى في فندق على جزيرة وسط النيل ليرسخ خوف الجنرال من الاحتكاك المباشر مع المواطنين الذين استاؤوا من الإجراءات المبالغ فيها جراء إغلاق المدينة على مدار الملتقى. وعلى عكس المتوقع، شهدت حركة البيع والشراء في أسواق أسوان تعليقاً شبه كامل بسبب إغلاق غالبية المحال لدواعٍ أمنية، وإغلاق منطقة الكورنيش على نحو شبه كامل. كذلك، توقفت المراكب النيلية عن العمل لأسباب أمنية، ولم يسمح لها بالتحرك خلال الملتقى، وأيضاً أعمال الصيد التي اضطر أصحابها إلى التوقف بناءً على التحذيرات.

تضررت الحركة التجارية في أسوان جراء المؤتمر بدلاً من تحسّنها


بينما تضرر كل هؤلاء، كان السيسي وزوجته يشاركان في أجواء احتفالية مع شبان يفترض أنهم جاؤوا من غالبية البلاد العربية والأفريقية للمشاركة في الملتقى، مع قلة من الشبان المصريين المختارين بعناية فائقة من الأجهزة الأمنية وشباب «البرنامج الرئاسي»، إلى درجة أن عدسات الكاميرات التقطت شباناً من الأمن وهم يرقصون ويرفعون الأعلام وفي أيديهم هاتف الثريا الذي يتواصلون به لتأمين مكان انعقاد الحفل.
قبل نحو ثلاثة أعوام، عند إطلاق مبادرة المؤتمرات الشبابية، تحدث الرئيس عن رغبة الدولة في الاستماع إلى أصوات الشباب، واعداً بلقاء شهري، لكن في هذا الملتقى قال إن التنظيم يكون كل ثلاثة أشهر مهما كان انشغال الدولة، علماً بأنه لم يُنظّم مؤتمر شبابي لشباب مصر من أجل مناقشة القضايا الداخلية منذ تموز/ يوليو الماضي، بل اكتُفي بمنتديات لمناقشة قضايا العالم والقارة الأفريقية خصوصاً. ويغفل «الجنرال» في حديثه وجود الشبان المعارضين في سجون نظامه. فأسوان التي بقي فيها خمسة أيام هي نفسها المدينة التي اختفى فيها البرلماني السابق مصطفى النجار المعارض له، ولم يُستدلّ على مكان وجوده منذ أكثر من ستة أشهر، وهي نفسها التي تم توقيف لاعب كرة قدم في فريقها بدعوى انتمائه إلى جماعات إرهابية، بل جرى توقيفه داخل النادي وإخفاؤه لأسابيع قبل إصدار قرارات متتالية بحبسه.
كل مرة يقول السيسي إنه يستجيب للشباب، وفي كل مؤتمر يقرر إطلاق مؤتمر آخر على طريقة الروتين المصري المعروفة: لجنة تشكل لجنة من دون نتائج، وذلك بداية من مؤتمرات الشباب، مروراً بـ«منتدى شباب العالم» و«ملتقى الشباب العربي والأفريقي»، وصولاً إلى إعلان مؤتمر يجمع شباب مصر والسودان تقرّرت إقامته خلال الصيف المقبل. هكذا، تكون مخرجات مؤتمرات الرجل المختلفة: اتفاق على لقاءات جديدة من دون آليات للاستفادة من التجمعات الشبابية، التي تتكرر فيها الوجوه إلى درجة أن جميع حضور «ملتقى أسوان» هو نفسه حضور «منتدى شرم الشيخ» المصري. أما العرب والأفارقة، فغالبيتهم من المقيمين في مصر بالفعل، وليسوا قادمين من بلادهم إلا باستثناءات قليلة.
في الخلاصة، حوّل السيسي جلسات الحوار مع الشباب لتكون نزهة، تارة في شرم الشيخ كنزهة بحرية على شواطئ البحر الأحمر وفنادق المدينة الفاخرة، وتارة في أسوان حيث الجنوب وجمال الطبيعة، لتكون لقاءاته مع الشباب أشبه بالرحلات الترفيهية التي تنظمها الجامعات لطلابها. ويبقى السؤال الأهم من وجود رئيس الجمهورية خمسة أيام هناك، هو عن مدى استفادة البلد من هذه اللقاءات فعلياً، والإجابة لا شيء، سوى الدعاية الإعلامية له على أنه راعي الشباب في الأنحاء كافة!