القاهرة | اعتمدت الحكومة المصرية، أخيراً، خطة لتصفية الصحف القومية التي تمتلكها، والتي وصلت مديونياتها إلى أكثر من 17 مليار جينه (ما يقارب مليار دولار أميركي)، بعد مناقشات طويلة خلال الفترة الماضية مع «الهيئة الوطنية للصحافة»، التي يترأسها الصحافي المقرب من السلطة كرم جابر.

الخطة الجديدة تستهدف تسوية ديون المؤسسات القومية التي تُصدر غالبية الصحف والمجلات الأسبوعية، بالإضافة إلى تقليل الخسائر وإغلاق المؤسسات التي لا تربح، ضمن عملية على مراحل تبدأ ببيع الأصول غير المستغلة وغير الضرورية، وصولاً إلى وقف إصدارات تاريخية لعدم تحقيقها مبيعات، ودمج صحافييها والعاملين فيها مع جهات أخرى، فضلاً عن وقف أي تعيينات جديدة، علماً أن من هذه المؤسسات من لم يعيّن أحداً منذ مدة، وفي مقدمها «الأهرام» التي توقفت التعيينات فيها منذ نحو أربع سنوات، إذ يعمل مئات الشباب فيها بعقود مؤقتة أملاً في تعيينات قريبة.
وتبرر الحكومة خطوتها بأن المؤسسات القومية تُكبّدها خسائر منذ سنوات، خاصة في ظلّ ازدياد تكلفة الطباعة والأجور، والعجز عن رفع سعر البيع للصحف والمجلات بما يساوي سعر التكلفة، فضلاً عن تراجع العائدات الإعلانية جراء الركود في سوق الإعلانات، الذي سبّب أيضاً إفلاس وكالات إعلانية كبرى وإغلاقها.
وتعتمد رؤية الحكومة، التي طُبِّقَت سلفاً في نزاعات مالية متراكمة لشركات مختلفة، على تسوية المديونيات مع إسقاط جزء بسيط منها. وستكون آلية التسوية خلال الفترة المقبلة للمؤسسات الصحافية في ما تمتلكه من أراضٍ ومبانٍ، سواء وسط القاهرة، أو في محافظات ومدن أخرى. وتخطط الدولة أيضاً لبيع الأراضي لشركات استثمارية، خاصة أن غالبية المؤسسات القومية العريقة تمتلك عقارات مميزة في مواقع بعضها وسط العاصمة، وأخرى في شوارع رئيسية أو مطلة على النيل، فضلاً عن دمج بعض المؤسسات ذات المباني الكبيرة والإصدارات المحدودة، ونقل العمال الفنيين إلى مطابع لمؤسسات أخرى.
ومن المؤسسات التي دُرِسَت حالتها بنحو مستفيض، «دار المعارف»، التي تمتلك مبنىً كبيراً على كورنيش النيل. إذ استُقرَّ على تصفيتها، وتوزيع العاملين فيها على مؤسسات أخرى، مع هدم مبناها المجاور لمبنى التلفزيون، ليكون جزءاً من مشروع تطوير مثلث ماسبيرو، على أن يجري التعامل مع إصداراتها عبر المؤسسات الأخرى.
ومن ضمن المخطط أيضاً، تحويل بعض الإصدارات إلى إصدارات إلكترونية فحسب، بهدف تقليص الخسائر التي تتكبّدها المطبوعات المختلفة، واستيعاب عمالتها، إلى جانب توفير نفقات معينة، مع مراعاة استغلال المساحات الشاسعة التي تمتلكها بعض الصحف استثمارياً، يما يمكّنها من تحمّل الإنفاق على ذاتها من العائد الإيجاري لأدوار كاملة أو مبانٍ غير مستغلة.
وفي تصور الحكومة أن الوقت الحالي هو الأكثر مناسبة لتنفيذ خطتها. فمن جانب، ستسعى إلى إرضاء الصحافيين بزيادة البدل المالي المُخصَّص للتكنولوجيا والتدريب في موازنة العام الجديد، ضامنةً تأييد النقيب المقبل ضياء رشوان لتحركاتها التي تصفها بأنها في إطار «الحفاظ على حقوق الصحافيين»، وفي الوقت نفسه تحقيق عوائد للدولة، في ظلّ تيقنها من غياب معارضة حقيقية يمكنها التصدي للمخطط القائم على الاستفادة المالية فحسب، من دون مراعاة البعد الثقافي لبعض الإصدارات، حتى لو كانت توزع أعداداً قليلة.
من جهة أخرى، تسعى الحكومة إلى تحصيل المتأخرات المستحقة للضرائب والتأمينات على المؤسسات القومية، وهي خطوة وإن كانت تسير بهدوء حذر، فإن عواقبها ستكون وخيمة على السياسة والصحافة المصريتين. فبعض الإصدارات، رغم معاناتها من مشكلات إدارية وروتينية جمة، تنجح أحياناً في دق ناقوس الخطر عبر موضوعات أو معالجات تكون خارج الرقابة أحياناً، كما حدث في مجلة «الأهرام العربي» التي كانت المطبوعة الوحيدة الداعمة لمصرية جزيرتَي تيران وصنافير.