القاهرة | 70 دولاراً أميركياً هو الراتب الشهري الذي قررته الدولة المصرية لمعلمين عيّنتهم مؤقتاً حتى انتهاء الفصل الدراسي الحالي، في مكافأة تسعى من خلالها وزارة التربية والتعليم إلى سدّ عجز المدرسين الشديد. وترفض الوزارة تعيين بدلاء من المحالين على التقاعد، بسبب رغبة الدولة في التخلص من التعيينات الدائمة التي تجد فيها عبئاً على الموازنة، خصوصاً أنها تقدم للموظف المثبت امتيازات كأيام الإجازة، وحرية الانتقال من مدرسة إلى أخرى، وبدلات مالية متنوعة كمكافأة الامتحانات، على عكس أصحاب العقود المؤقتة.

المشكلة بدأت منذ لم يجد وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، حلاً لمشكلة نقص المعلمين المتزايد منذ نحو عام ونصف عام سوى الاستعانة بالمتخرجين، لكن العجز مرتبط هذه المرة بمناطق كثيرة، ما جعل الوزارة بحاجة إلى نحو 12 ألف معلم على نحو عاجل، فضلاً عن عدد مماثل لهم يتعيّن عليها الاستعانة به مع بداية العام المقبل، بسبب خروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد خلال الشهور المقبلة.
ولا يخلو هذا الحل من «إبداعات» الدولة، بالنظر إلى أن الوظائف المطروحة الآن هي عقود مؤقتة لا تتعدى ثلاثة شهور، من دون وعد بالاستفادة من الأشخاص أنفسهم خلال المرحلة المقبلة، ما يمثّل «ضحكاً على الذقون»، إذ ستعلن الحكومة أنها وفرت 12 ألف وظيفة خلال 2019، بالإضافة إلى الدفعة الأخرى التي ستعلن في الصيف المقبل، لكنها عملياً (الحكومة) لم توظف أحداً منذ نحو ثلاث سنوات.
بحسب إحصاءات رسمية، تعاني «التربية والتعليم» من عجز يقدر بنحو 60 ألف معلم حتى نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي. وصحيح أن الوزارة كانت تعاني من زيادة في العمالة منذ سنوات، لكنها لم تعين بدلاء من آلاف خرجوا، وذلك لرغبتها في توجيه الأموال المخصصة للأجور لتطوير البنية التحتية، ثم واجهت مشكلات بعد مسابقة تعيين 30 ألف معلم، ارتبطت بانتقال بعضهم من الأماكن النائية التي عُينوا فيها إلى مواقع قريبة من إقاماتهم.
ووفقاً للقانون، على كل معلم إعطاء عدد معين من الحصص أسبوعياً وفق درجته الوظيفية، تبدأ من 24 حصة أسبوعياً وصولاً إلى 8 أو 12 حصة مع أصحاب الدرجة الوظيفية الأولى الذين يكونون قد أمضوا عادة 25 عاماً، وبعض هؤلاء يقومون بمهمات إشرافية على مدار اليوم، وبعضهم يشغلون منصب مدير أو ناظر، ولذلك يكتفون بالأعمال الإدارية.

لم توظف الحكومة أحداً في التعليم بصورة ثابتة منذ نحو 3 سنوات


أما في المسابقة التي أُعلنت نتائجها الأولية الأسبوع الماضي، فتقدم 430 ألف شخص، بينهم 71 ألفاً استوفوا الشروط، على أن تبدأ اليوم (الإثنين) الاختبارات الخاصة بهم تمهيداً لتسلمهم أعمالهم بحلول منتصف الشهر الجاري. وهذا التعجل في التعيين مرتبط بوجود مدارس كاملة تعمل بنصف طاقتها من المدرسين، وأخرى لا تجد معلمين في تخصصات محددة.
ويقول متابعون إنه لا يمكن انطباق وصف معلم على المتقدمين في الامتحان الأخير؛ ليس لعدم امتلاكهم خبرة في التعامل مع التلاميذ فحسب، بل لأن المعلم الجديد حتى وإن كان متخرجاً في كلية تربية متخصصة، فسيكون بحاجة إلى «مدة ممارسة» مع زميل له، كما سيكون بحاجة إلى التدريب وتفهّم المحتوى الذي سيشرحه للطلاب خلال ما تبقى من الفصل الدراسي الذي ينتهي آخر الشهر المقبل فعلياً.
ومع أن ترتيب مصر في مؤشر التعليم هو المرتبة ما قبل الأخيرة دولياً، لكن هذا الترتيب ليس مبرراً لتحويل مهمة التدريس الحكومية (المفترض أنه بدأ العمل في إطارها بمنظومة جديدة للتعليم الابتدائي والثانوي) إلى حقل تجارب لمتخرّجين جدد، كما يقول أساتذة كثر، خاصة أن العرف هو تدريب المعلمين أولاً قبل تركهم مع الطلاب. والمشكلة الأكبر التي ستواجه المسؤولين بعد اختيار المعلمين ذوي العقود المؤقتة هي المدارس التي سيوزعون عليها، خاصة أن بعض المدارس سيكلف المعلمين الجدد مصاريف انتقال أعلى من الأجور التي سيتقاضونها.
حتى الآن، لم توضح الوزارة آلية توزيع المتقدمين على نسب العجز في المدارس المختلفة، كما لم توضح الامتيازات التي سيحصل عليها كل معلم في حال وجوده في مدرسة بعيدة. وهنا يؤكد الوزير شوقي أن «التربية والتعليم» تتعامل مع المعلمين من ميزانيتها الخاصة، وأن التكلفة المبدئية لهذا المشروع تُقدر بـ270 مليون جنيه. كما ذكر أنه لا توجد موازنة دائمة في الوزارة، ولذا جاء الاعتماد على العقود المؤقتة، وهو بذلك يوفر على الدولة رواتب ثلاثة شهور في الإجازة الصيفية، مع استثناء ثلاثة أسابيع لامتحانات الدور الثاني.
من جهة أخرى، يعمل شوقي باستمرار على تقليص المكافآت التي يحصل عليها المعلمون المعينون، فقد ألغى مخصصات «أعمال الكنترول»، وهي أجور إضافية على تصحيح أوراق إجابات خارج المدرسة على مستوى كل محافظة.