كان من دواعي سرور البعض وفخرهم، صورة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي حول أساتذة وطلاب في المعهد العالي للدكتوراه، يناقشون مشاريعهم، معتمدين على إضاءة الهواتف النقّالة بدل إضاءة مصابيح الكهرباء المُغيَّبة. وتم تثمين هذه الحادثة من قبل كثيرين خصوصاً أهل الجامعة. وبصفتي أستاذاً سابقاً في الجامعة اللبنانية وفي معهد الدكتوراه، لا أثمّن ما حدث، لأن لا مبرّر لحصوله. فالجامعة ليست مجرد مأوى تؤمّن حيطاناً وسقفاً، بل هي مؤسسة الأفكار والاختبارات والاختراعات، هي بانية أجيال الوطن ذات الكفاءة والمسؤولة والمنتجة. وهذا الدور لا يمكن أن يتحقق في الظلمة التي شاءتها السلطة للجامعة، ومعهد الدكتوراه نموذجاً. هناك مؤسسات حكومية لا تنقطع عنها الكهرباء. فإذا كان تمويلها من مال قليل، وهو في النتيجة مال الشعب، فليخصَّص هذا المال للجامعة. وبصراحة أكثر:

إذا كان الخيار بين القصر الجمهوري والجامعة، فلتُضَء الجامعة.
وإذا كان الخيار بين مقرّ رئاسة مجلس النواب والجامعة، فلتُضَء الجامعة.
وإذا كان الخيار بين السراي الحكومي والجامعة، فلتُضَء الجامعة.
لكن بما أننا شعب ينظر إلى نفسه بدونية، مقابل نظرته إلى "القيادات" الحكومية كزعماء وآلهة تحوط رؤوسهم هالاتُ القداسة، لا نفكر بإزعاجهم من أجل جامعة أبنائنا. نخترع طرقاً ووسائل مختلفة لسدّ الحاجة، لكن لا نحتجّ بجدية ضد الوضع الذي أوصل أهلُ السلطة الجامعة إليه. لقد قبلنا بعد ترويضنا خلال الحرب وبعدها، أن نتصوّر (عام 2022) أننا نعيش في زمن القصف العشوائي، فنهرول إلى القاعات السفلية المظلمة، ونشعل الشموع لتقديم المشروع أو متابعة المحاضرة. وهذه المرة شغّلْنا أضواء الهواتف النقالة بدل أن نصرخ في وجوههم: أطفئوا أضواء القصر والمقر والسراي، وحوّلوا الكهرباء إلى صرح بناء الإنسان والمواطن الذي هو أساس الوطن. مقرّاتكم لم تقدّم للوطن سوى التفرقة والخراب والهدم، بينما ساهمت هذه الجامعة منذ إنشائها في بناء مفكّرين ومتخصصين ومبدعين. قصوركم ليست هي التي تستحق الضوء، بل الجامعة اللبنانية هي الأَولى بذلك. (هكذا تصوّرت). لكن بفعل انسحاقنا أمام الزعماء الآلهة، وتقديسنا لهم ولمن له صلة بهم، لم نعمل على تحقيق ذلك، بل افتخرنا بأننا نقبل الإهانة الأكاديمية، ونحوّلها إلى سبب للمديح والفخر.
وبما أننا بصدد التفكير في كيفية تأمين إنارة قاعة أو تشغيل مكيّف واحد في غرفة للمعهد العالي، يطرح سؤال نفسه: لماذا تثمين استخدام ضوء الهاتف فقط، والتعتيم على تقديم المازوت؟ لقد تم الطلب إلى طالب خليجي أن يشتري مازوتاً لمولّد المعهد لتتم مناقشة أطروحته. فإذا كان هذا مقبولاً، فلتوضع هذه الواقعة إلى جنب ضوء الهواتف النقالة، ولتتم الإشارة إليها كتصرف يُفتخر به. لكن إذا كان مخجلاً، فكيف قبلت إدارة المعهد بحصوله؟
طالبٌ دفع رسوماً للمعهد خمسة آلاف وخمسمئة دولار، خلال خمس سنوات من دراسته، وبات من حقه أن يناقش أطروحته لينهي هذه المرحلة من حياته الدراسية، لكن كان عليه شراء المازوت!! لم يحدث أمر كهذا في العالم الأكاديمي، ولا في أيّ جامعة في العالم. فلو تمّ ذكر هذه الحادثة يوم حصولها، لخجل من بيده القرار والمال، وصرف بضعة دولارات من مال المودعين -تماماً مثلما أمر بصرف المليارات للتجار والمهرّبين- لشراء طنّ مازوت لمعهد الدكتوراه.
نحن في بلد تلقّى حوالي ملياري دولار مساعدات للتربية منذ بدء وباء كورونا حتى اليوم. فهل لدينا الجرأة لنسأل المسؤولين عن التربية أين ذهبت الأموال؟ ألم تُخصّص بضعة دولارات من المساعدات لإضاءة قاعة في أعلى معهد جامعي في لبنان، ولو لساعتين يحتاج إليهما الطالب ولجنة المناقشة؟ ألم تستطع الجامعة تحصيل ألف دولار للمازوت من عائدات (PCR)؟ كانت هناك مساعدة من كوريا الجنوبية على سبيل المثال تبخّرت، لكن من قبض ثمن الحواسيب التي تم بيعها لجهة ثالثة؟ فهل تجرّأنا وناقشنا سبب وصولنا إلى هذا الواقع؟ ومن هم خلف تدمير الجامعة بهذا الشكل، وبطريقة ممنهجة؟ ألا نتجرأ على تحميلهم المسؤولية؟ أليس أهل الجامعة، خصوصاً أصحاب القرار، هم من ساعدوا في وصولها إلى هذا الوضع عندما حوّلوا مواقعها الأكاديمية إلى عملية تزلّم ومحاصصة حزبية وطائفية؟
نعرف أن أهل السلطة لا يكترثون للجامعة اللبنانية، لأنهم يرسلون أبناءهم إلى جامعات خاصة أو إلى الخارج. وبعضهم اهتم بها من أجل توظيف أتباعه، أو لتأمين صفقات لأفراد عائلته. لكن الملامة تقع على أهل الجامعة، الذين ساهموا بإيصالها إلى هذه الحالة المحزنة، حالة تدعونا للخجل مما وصلنا إليه، في حين أن هدر مال التربية يحدث أمام أعيننا، ونغضّ الطرف إكراماً "لزعمائنا". وكنتيجة لذلك يقبلون مواجهة أيّ آخر باستثناء من عيّنهم في مواقعهم.
لو حصل ذلك، لما اضطرّ الطالب العربي أن يشتري مازوتاً للمعهد، ولا اضطرّ أساتذة المعهد وطلابه الاعتماد على "شموع" الهاتف في مسيرتهم الأكاديمية، ولا شعر الأستاذ بالذلّ لأنه يتقاضى راتباً يساوي نصف راتب خادمة.
أليس من حق الأستاذ الجامعي والطالب الجامعي تأمين أبسط الحاجات لتسيير أمورهما التعليمية؟
إن كليات الجامعة الوطنية ومعاهدها تضمّ أكثر من ثمانين ألف طالب، إضافة إلى أساتذتهم. وأهالي الطلاب هم دافعو ضرائب، أو مكلفون بحسب القانون اللبناني. لذا من حق أبنائهم الانتساب إلى هذه الجامعة التي هي ملك الوطن، وليست ملكاً لزعماء الطوائف وقادة الميليشيات. من حقهم أن يكونوا في جامعة تحترم الجهةُ المسؤولة عنها (حكومة، وزارة تربية وإدارة) تأمين الأجواء التعليمية المناسبة بما فيها الكهرباء ليستطيعوا تشغيل حواسيبهم والقيام باختباراتهم في المختبرات، والتواجد في قاعات التدريس بوضع مريح. واستخدام المراحيض المقرفة التي تشكل موضوعاً وفضيحة بذاتها. لكن ما يُعتبر واجباً نحو الجامعة بات "منّة" في نظر المسؤولين.
نعم، إضاءة الجامعة يجب أن تكون قبل إضاءة القصر الجمهوري والسراي الحكومي ورئاسة المجلس النيابي ضمن شروط محددة يعرفها أهل الأكاديميا. لكننا الآن نمارس عملنا الأكاديمي وكأننا في أثناء سنوات الحرب، حيث كنا نضطر للنزول إلى قاعات تحت الأرض تجنّباً للقصف العشوائي الذي رعاه من هم في السلطة اليوم، والذين لم يحيّدوا حرم جامعة أو معهداً أو مدرسة من قذائفهم "البطولية"، لأنها كانت ترسَل مشحونة بالحقد على الآخرين، "كلّ الآخرين"، في المقلب الثاني.
لقد انتهت تلك الحرب -نظرياً- لكن لا نزال نعيش منذ الطائف حتى اليوم تحت ظلّ أو شبح المجموعة ذاتها، والمسؤولة عن تدمير البلد بناسه وبنائه بعدما استبدلت طقومها العسكرية ببزَّات إيطالية وربطات عنق فرنسية. وبقي لهؤلاء الوقع المهدّد لكل من يتجرّأ على الخروج عن توقعاتهم "الزعاماتية"، إذ إنّ جيلاً كاملاً أُنشِئ في المؤسسات التربوية ليكون نسخة عن جيل الحرب الذي سبقه. هذا هو الواقع التعليمي في المدارس والجامعات. أما الديمقراطية الجوفاء التي يتباهى بها كثيرون، فيتغنى بها من يبصم "ع العمياني" مع الفريق الذي يهيمن على الجامعة، وفي كلّ كلية منها، وإذا تلفّظ أستاذ أو طالب بعبارة تخالف رأي الفئة المهيمنة، تكون ردة الفعل "زقاقية" وبغطاء إداري. وهذا يكفي ليعرف القارئ ما هي الأوضاع الأكاديمية الديمقراطية في جامعاتنا.

* خبير تربوي