تحتاج المدارس الرسمية إلى مصاريف تشغيلية أساسية، لا يمكنها أن تعمل قبل تأمينها حتى لو عاد الأساتذة غداً إلى دوامهم. مشكلة هذه الأموال أنّها لا تلفت نظر أغلب المتابعين لأحوال التعليم، فلا يأتون على ذكرها إلا لماماً، ولكنها أساسية والاستمرارية من دون تأمينها مستحيلة. يغطي هذا المال كلّ التكاليف التشغيلية من كهرباء وإنترنت وصيانة وأوراق امتحانات وحبر الطباعة والقرطاسية، مروراً بمصاريف التدفئة في المناطق الباردة، وصولاً إلى أجور عمّال المكننة والنظافة والخدمة في المبنى، وحتى عقود بعض الأساتذة المتعاقدين على «حساب صندوق الأهل». إذاً بغياب هذه الأموال لا يمكن تسيير الأعمال في المدارس الرسمية.


تمويل الثانويات
وعليه، نصّت المادة 49 من قانون «تنظيم التعليم الرسمي» على إنشاء صندوق مالي في كلّ مدرسة رسمية، «يُنفق منه في الحالات التي تستدعيها مصلحة الثانوية ومصلحة التلاميذ». تُموّل هذه الصناديق عبر المساهمات المالية من التلاميذ، و»من الواردات الأخرى المختلفة» على الشكل التالي: يدفع التلميذ بدل تسجيل في المرحلة الثانوية قدره 271 ألف ليرة، يُقسّم المبلغ إلى 150 ألف ليرة تذهب لصندوق الأهل، و121 ألف ليرة لصندوق الثانوية، وتحسم وزارة التربية 10% من بدل التسجيل تأخذها من حصة صندوق الثانوية وتضعها في صندوق تعاضد لدعم الثانويات المتعثرة مالياً. يشرف على الصرف في كلّ من الصندوقين لجنتان مختلفتان، يرأس رئيس لجنة الأهل صندوقها ومدير الثانوية الصندوق الثاني، بالإضافة إلى هذا الأخير، تشرف على هذا الصندوق لجنة مالية مؤلّفة ومنتخبة من أفراد الهيئة التعليمية في المدرسة، تتكوّن بالإضافة إلى المدير (الرئيس) من أمين صندوق وأمين سرّ ومحاسب.
كما حدّدت وزارة التربية سقفاً لقيمة الفاتورة الواحدة بثلاثة ملايين ليرة، وكلّ عمل تزيد قيمته عن هذا المبلغ يتطلّب مناقصة واستدراج عروض قبل تنفيذه. وتقوم اللجنة المالية في الثانوية قبل آخر شهر تموز من كلّ عام بتقديم قطع حساب عن العام السابق، وموازنة تقديرية للعام المقبل تحدّد فيها أبواب الصرف وأحجامها، وفي حال بقي في الصناديق أموال فتُنقل إلى موازنة العام المقبل.

انهيار الموازنات
قبل الانهيار الاقتصادي لم تكن الثانويات الرسمية تقع في عجز مالي لناحية مصاريفها التشغيلية، سيّما الكبيرة منها، فكلّما زاد عدد التلاميذ كانت الأموال أكثر، والثانوية التي يزيد عدد تلاميذها عن الخمسمئة كانت تدوّر ما يقارب المئة مليون ليرة من سنة إلى أخرى. أما اليوم، مع انهيار قيمة العملة الوطنية، فقد أصبحت هذه الأموال دون أي قيمة تُذكر، فقيمة المبلغ المدفوع للتسجيل (مصدر الأموال الخاصة بالموازنة التشغيلية) بقيت في السّنتين الماضيتين على حالها، فيما الموازنة التشغيلية في تضخم مستمر. على سبيل المثال كانت تكلفة طباعة أوراق الامتحانات لثانوية فيها 500 تلميذ عن العام الدراسي كلّه تكلّف حوالي المليوني ليرة، أما اليوم فوصلت التكلفة إلى حدود الخمسة وثلاثين مليوناً، ويجب أن تُغطى من صندوق الثانوية، بالإضافة إلى كلّ البنود السّابقة. أما ما «كسر الصناديق وأفلسها» العام الماضي فكانت تكلفة المحروقات للمولّدات بسبب غياب الكهرباء بشكل كبير، ما أوقع الموازنات في عجز.

ارتفعت تكلفة طباعة أوراق الامتحانات في الثانوية من مليوني ليرة إلى حدود الـ35 مليوناً

هذا الأمر دفع الإدارات إما لإطفاء المولّدات أو قطع الاشتراكات. والمشكلة تتضاعف في القرى والمناطق الجبلية والمرتفعة، حيث برد الشتاء لا يُعالج إلا باستخدام المازوت للتدفئة، ففي منطقة البقاع يصل مصروف الثانوية من المازوت إلى حدود الستة آلاف ليتر سنوياً بين تدفئة وتوليد كهرباء، ما يوجب دفع مبالغ لا يمكن تحميلها للموازنات، إذ يفيد أحد مدراء الثانويات في تلك المنطقة بأنه «لولا المخزون السابق من عام 2019 والكورونا، والإقفال التام لسنتين، لما أمكن تشغيل الثانوية العام الماضي»، ويضيف: «صرفنا من لحمنا الحي ولا إمكانية لتكرار التجربة هذه السّنة».

الدعم الخارجي مجدّداً
خلال العام الدراسي الماضي تدخّلت الجهات المانحة وأرسلت إلى حسابات الثانويات الرسمية في المصارف مبالغ رَاوحت ما بين 200 و400 مليون ليرة، و»لولا هذا الدعم لكنا توقّفنا عن العمل» يقول محاسب لجنة مالية في إحدى ثانويات منطقة بعبدا. يضيف: «وقعنا في مشكلة إضافية تمثّلت بسقوف السحوبات في المصارف التي تعاملت معنا على أنّنا مودعون عاديون، بينما تطلّب تشغيل الثانوية العام الماضي ما يقارب الثلاثين مليون ليرة شهرياً فيما السّقف عشرون مليوناً». ويشير أيضاً إلى أنّ «الحوافز الخاصة بعمال النظافة (90 دولاراً على سعر منصة صيرفة) في الثانوية كانت تُحوّل أيضاً إلى هذا الحساب من دون أن نتمكن من سحبها»، وللوصول إلى حلّ «قمنا بإبقاء أموال التسجيل خارج المصرف كي نتمكن من الصرف على الأمور التشغيلية اليومية».
لا ضمانة إذاً لانطلاقة العام الدراسي الحالي من الناحية التشغيلية، فشراء المازوت فقط لزوم المولّدات قد يستنزف المبالغ الموجودة في الموازنات، ومردود التسجيل فقد قيمته ولا يمكن التعويل عليه، وككلّ الملفات التربوية اليوم تنتظر الدولة «الجهات المانحة» للتمويل وتشغيل مرافقها التعليمية.