مع ارتفاع غلاء المعيشة وأسعار المحروقات، تزداد التحديات أمام الموظفين، ولا سيما موظفي القطاع العام الذين يقبضون أجورهم بالليرة اللبنانية. وأبرز الفئات التي تظهر معاناتها على نحو واسع، هم الأساتذة والمعلّمون الذين وصل الأمر بالكثير منهم إلى الاستقالة.


في الواقع، حوّل ارتفاع الأسعار، بالمقارنة مع ضعف الأجور، جهد المعلمين إلى عمل خيري لا يغطّي النفقات الضرورية، ما دفع كثراً للبحث عن موارد أخرى للدخل.

«طالعة الصرخة» في جميع المدارس، وخصوصاً الرسمية منها، والمدراء أنفسهم عاجزون أمام هذا المشهد. وضعهم ليس أفضل بكثير، «فهُم يعانون بدورهم من الظروف المعيشية المتردّية»، وفق ما يؤكّد مدير إحدى المدارس الرسمية في قضاء جبيل، الذي يتّجه يومياً من قريته إلى المدرسة، وسط معاناة في تحمّل تكاليف الأسعار المرتفعة للمحروقات.

بالتوازي، تتلقّى مديرة مدرسة رسمية تقع في المنطقة الوسطى، أي بين الساحل والجرد في القضاء نفسه، شكاوى عدّة من الأساتذة. وغالبيتها تتعلق بكيفية التنقل والوصول إلى المدرسة، حتى إن البعض كان صريحاً للغاية، إذ أكدوا أن: «ما معنا لنعبّي بنزين». وتلفت المديرة إلى عدم وجود نقل عام مشترك يصل إلى المنطقة حيث تقع المدرسة، بينما معظم المعلّمين والمعلّمات يقطنون في مناطق ساحلية بعيدة.

وللتخفيف قليلاً من أعباء التنقل عن كاهل الأساتذة، اعتمد معظم المدراء برمجة ساعات التعليم، بطريقة تتيح للمعلمين الساكنين في مناطق مجاورة التنقل معاً في سيارة واحدة.

خيارات صعبة تواجه المعلّمين والمعلمات إذاً. فلا مدخول ينصفهم ويفيهم تعبهم، ولا مجال لترك عملهم وسط هذه الظروف، لذا لجأ البعض إلى العمل، ولو بدوام جزئي، في مجال آخر بالتزامن مع التعليم، ليؤمّنوا لقمة عيشهم.

يؤكد المعلّم المتعاقد الشابّ «مجد»، الذي رفض الكشف عن اسمه الحقيقيّ، أنه يعلّم في مدرستيْن رسميّتيْن، وكلّ ما يجنيه لا يتعدّى ما يقارب الـ3 ملايين ليرة شهرياً. ويقول لـ«الأخبار»: «هذا المبلغ يكفي فقط للتنقلات، وأشعر كأنني أعلّم من دون مقابل، لا بل أدفع، أحياناً مبالغ إضافية، لتغطية تكاليف تنقلاتي كي أصل إلى المدرسة».

الأزمة فرضت على «مجد» تحويل إحدى هواياته، الصيد البريّ، إلى عمل يؤمّن من خلاله مدخولاً إضافياً. فبات يعمل نهاراً في التعليم، بينما يتّجه ليلاً إلى الأحراج ليصطاد الخنازير ويبيع لحومها إلى المواطنين: «3 ملايين وستمئة ألف ليرة، هو المبلغ الذي قبضته من أحد المواطنين بعدما بعته لحم خنزير اصطدته، بينما راتبي الذي أجنيه شهرياً من التعليم لا يتعدّى هذا الرقم!»، على حدّ قوله. ويضيف: «ساعة واحدة من الصيد يمكن أن توازي، مادياً، شهراً كاملاً من التعليم وما يرافقه من تحضير وتعب».

كذلك، لفت إلى أنه «فضلاً عن أن الصيد يؤمّن له مدخولاً، هو أيضاً يشكّل غذاء تتناوله العائلة، ما يقلّل من المصاريف التي ننفقها على الطعام».

ولا يختلف حال الكثير من الأساتذة عن «مجد». فمنهم من فتح محلّ سمانة، ومنهم من وجد المقايضة سبيلاً لترشيد الإنفاق على الموادّ الأساسية؛ فعرض، على سبيل المثال، على مزارعين قطف الزيتون، مقابل الحصول على غالون زيت.

من جهته، لا يُخفي الأستاذ المستعان به، «رامي» (اسم مستعار)، الذي يعلّم في مدرستيْن رسميّتين في قضاء جبيل معاناته أيضاً. فهو ووالده يعيلان عائلة مؤلّفة من أربعة أفراد، إلا أنه يضطرّ إلى انتظار دفعتَي العام الدراسي (دفعة كل فصل، أي حوالي كل 3 أشهر)، ليتقاضى راتبه، علماً أن مردوده من التعليم هو 20 ألف ليرة للساعة الواحدة.

ويؤكّد «رامي» أنه لدى قبض راتبه، كان يتّجه فوراً إلى شراء الأدوية لأفراد العائلة كونها أولوية، لكنّه يشير في الوقت نفسه، إلى أنه «في المرة الأخيرة التي تقاضيت فيها راتبي، أنفقت المبلغ الذي جنيته، لقاء تعب ثلاثة أشهر من التعليم في المدرسة الواحدة، على تكاليف التنقل فقط».

كما يكشف أنه بالتزامن مع التعليم، بدأ العمل أيضاً في ملحمة يُديرها والده، فلا يضطرّ الأخير بالتالي إلى توظيف عامل ودفع راتب له، خصوصاً أن عمل الملحمة تراجع أخيراً بسبب الظروف الراهنة. و«رامي» الذي يشدّد على أن «الشغل مش عيب»، يبحث أيضاً عن عمل ثالث، أياً كان نوعه، من أجل زيادة مدخوله، علّه يكفيه والعائلة.

تختلف اتجاهات الأساتذة نحو العمل في قطاعات أخرى، لكن السبب نفسه والغاية واحدة: تأمين مدخول متواضع للعيش بكرامة. وفي السياق، تُشير مايا إلى أنها تعمل مرشدة تربوية اجتماعية في مدرسة رسمية، لكنّها قررت الاستفادة من الأعمال اليدوية التي تعلّمتها من والدتها. فوجدت بعد بيع ما تنجزه من أعمال «كروشيه»، أنه يؤمّن لها مدخولاً مضاعفاً مقارنةً مع مردود عملها في المدرسة، نظراً إلى أن ساعتها في التعليم تعادل 15 ألف ليرة فقط.

وإلى جانب التحديات التي يواجهها الأساتذة والمدراء، نجد معاناة أصحاب الفانات، الذين ينقلون التلاميذ ويعوّلون على العام الدراسي الحالي لتحقيق بعض الأرباح. في الإطار، يؤكّد صاحب أحد الفانات، يوسف الجميّل، أن «الأمل في هذا العام اضمحلّ، ونواجه صعوبة الاستمرار وسط هذه الظروف، لأن بعض الأهالي قرّروا التوقف عن الاستعانة بالفان كوسيلة لنقل أولاده إلى المدرسة».

ويُتابع: «كنت أطلب من الأهالي 100 ألف ليرة لنقل التلميذ الواحد عندما كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة، أما اليوم وبسبب ارتفاع سعر الصرف وتداعياته، فأطلب 650 ألف ليرة لنقل التلميذ، وهو ما يعتبره ذووه سعراً مرتفعاً، خصوصاً أنه، في بعض الأحيان، يكون في البيت الواحد ثلاثة أولاد».