فيما لا يبدو الأمن العام منزعجاً من ممارسة دور «الأخ الأكبر»، بدأت قضية منع عرض فيلم «بيروت بالليل» للمخرجة دانيال عربيد تتفاعل. ولعلّ المصادفة وحدها جعلت منع الشريط يتزامن مع مؤتمر صحافي نظّمه «مرصد الرقابة» وجمعية «مهارات» أمس في صالة «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـــــ بيروت) تخلّله إطلاق مشروع «قانون حرية الأعمال السينمائية والأعمال المصوّرة». وشارك في المؤتمر كل من المحامي نزار صاغية، والممثلة حنان الحاج علي، ورئيسة «مهارات» ألين فرح، وأدار النقاش الزميل بيار أبي صعب.


«لم تعد المعركة مع الرقابة إعلامية فقط، بل أصبحت أيضاً قانونية وقضائية» قال نزار صاغية أمس، مؤكداً أن اللجوء إلى «القضاء في قضايا الرقابة مهم جداً». ثمّ أعطى أمثلة عن حالات حكم فيها القضاء لمصلحة الفنان مثل قضية مارسيل خليفة (2003). صاغية الذي عمل على صياغة مسودة مشروع «قانون حرية الأعمال السينمائية والأعمال المصورة» شدّد على أنّ الأمن العام يمارس الدور الذي لا تريد الطبقة السياسية أن تمارسه «وهدف الرقابة المسبقة التي يفرضها هي أولاً وأخيراً حماية النظام». ويستند صاغية في كلامه إلى وقائع شهدتها الساحة الفنية في لبنان، كاشفاً أن «مطابخ داخلية» تفرض هي الأخرى رقابتها على الإبداع الفني مثل الجيش، والمؤسسات الدينية و«سوليدير»، والأحزاب، والشركات الأمنية... كلام صاغية بدا متماهياً مع ما قالته المسرحية اللبنانية حنان الحاج علي عن عدم قانونية رقابة الأمن العام، كاشفةً أن «مؤشرات القمع الرقابي استمرّت بالتصاعد في السنوات الأخيرة».
إذاً، فيما يشهد العالم العربي انتفاضات وثورات للتخلص من الأنظمة القمعية، يعيش لبنان حالة تراجع مقلق على صعيد الحريات الفردية والفنية. وانطلاقاً من هذا الواقع، طلبت الحاج علي إطلاق حملة مناصرة لمشروع القانون المقترح «بهدف إقراره في مرحلة لاحقاً في المجلس النيابي». لكن هل تجد هذه المسوّدة من يدعمها داخل البرلمان؟ تبدو ألين فرح رمتفائلة بتجاوب النواب؛ إذ «قد نجد نائباً واحداً يطرح الموضوع للنقاش داخل المجلس، كما حصل مع قانون الإعلام الذي أعددناه». وتكشف فرح أنّ المشكلة التي قد يواجهها القانون ليست فقط من النواب أو السياسيين «بل أثناء النقاشات التي خضناها قبل وضع المسوّدة، اكتشفنا أن أطرافاً عدة تدعم هذه الرقابة المسبقة». وهو الموقف الذي أكّدته مداخلات لعدد من الحاضرين الذين رأوا أنّ الرقابة مطلوبة على بعض الأعمال الفنية والبرامج التلفزيونية. لكن هذه الآراء بدت معاكسة للتيار العام الذي كان حاضراً في الصالة. تسأل بعض المشاركين عن قانونية اللجنة التابعة للأمن العام التي تدرس الأعمال الفنية قبل عرضها (سابين صيداوي منتجة «بيروت بالليل»)، فيما طالب آخرون بتحدّي قرارات الرقابة «لنشاهد الأعمال الممنوعة في الشوارع» قال أحد الحاضرين...
قد يكون مشوار القضاء على الرقابة المسبقة طويلاً في لبنان، لكن مبادرة «قانون حرية الأعمال السينمائية والأعمال المصوّرة» يمثّل حتماً الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.