«من قتل مارلين؟». ها هي حمى البحث عن الحقيقة تصيب المسرح اللبناني، لكن من دون أن تكلّف الشعب اللبناني ملايين الدولارات! إنّها فقط مسرحية تعرض حالياً على خشبة «مسرح مونو». تجربة فريدة دفعت ريا حيدر ومروى خليل إلى كتابة نص مسرحي وتمثيله، بإخراج نديم دعيبس. يفتقر المسرح اللبناني إلى تجارب مماثلة، حيث المخرج لا يكون كاتب النص، والدراماتورج وصاحب الرؤية الإخراجية والمشرف على السينوغرافيا... بل تكون الممثلتان هما العصب الأساسي للعمل. لكن قد يكون ذلك هو العامل نفسه الذي أدى إلى ضعف النتيجة الفنية النهائية. ما دامت هناك شكوك في أنّ النجمة الهوليوودية قُتلت ولم تنتحر، ارتأى أصحاب الفكرة نقل مجريات الأحداث إلى لبنان، وفتح تحقيق مع المشتبه فيهم... اللبنانيين!


تتوزع المسرحية على تسع لوحات، مع مرور لشخصيات عديدة تخضع للتحقيق، مثل زوزو الميكانيكي، جار مارلين الذي يخبرنا بمغامراته معها على دراجته النارية عند الروشة، وأمها غلاديس الهاذية طوال الوقت والقابعة في مستشفى للأمراض العصبية. وهناك جاكي السيدة الأولى التي تواجه مارلين في علاقتها مع زوجها الرئيس جون كندي، وتعيّرها بالفرق الثقافي والطبقي بينهما. كذلك، نرى المخرج الذي ما عاد يحتمل العمل مع النجمة الدائمة التأخر على المواعيد، والعاجزة عن حفظ النص. حتى الخادمتان اللتان تفتتحان العرض وتختتمانه تبدوان في حالة حلم دائم بالتشبّه بسيدتهما، وصولاً إلى ظهور مارلين تغني في عيد جون كندي، وفي مواجهة جاكي، وطبعاً بالفستان الأبيض المتطاير. كل هذه الشخصيات تؤديها الممثلتان: مروى وريا. تنجحان في بعض منها في جذب المشاهد كمشهدي جاكي والأم، فيما تضعفان في تجسيد الشخصيات الأخرى. كذلك كانت أدوار الرجال عند الممثلتين تحتاج إلى تصويب أدق. أما في النص، فهناك خفة مميزة وغنية في نقل تفاصيل المجتمع اللبناني، وتحميل العرض بالطرافة حيناً، والنقد التهكمي أحياناً. لكنّ العمل وقع تارةً في كليشيهات لا تقدم جديداً، أو في مبالغة اللعب فيها فتصبح هزيلة، كمثال مغارة جعيتا.
أما السينوغرفيا المتمثلة بشكل أساسي في شاشة في وسط المسرح، فكانت كفيلة بنقلنا إلى جو اللوحة المسرحية، وبتشكيل خط تواصلي للدراما عبر خيال ظلّ لشخص ما يجر جثة من وراء الشاشة. وكان خيار تضييق المسرح هنا ناجحاً في توفير حميمية لحضور ممثل أوحد على الخشبة.
في الرؤية العامة للعرض من حيث البنية الدرامية والإخراجية، تصل المسرحية في فصلها الأخير إلى سياق مثير جداً. في غرفة مارلين حيث نراها ممددة على سريرها، تكتشف الخادمتان أنّ سيدتهما قد فارقت الحياة. سياق مستوحى من مسرحية «الخادمتان» لجان جينيه كما تذكر الكاتبتان. لكن ما كان ليحصل لو افتُتحت المسرحية على هذا المشهد وراحت الممثلتان تؤديان جميع الأدوار السابقة والمتخيلة، في ظل وجود الجثة القابعة في الغرفة؟ أما كان ذلك قد وفّر الإطار الجامع للوحات التسع المفقودة في العرض؟ أما كان قد أضفى بعداً درامياً يمكن استغلاله، وتصعيده إلى اللحظة التي بدأت فيها الخادمتان بتقطيع الجثة، والاحتفال بأشلاء جسد يمثل رمزاً للجمال، وهو بالمناسبة مشهد غني جداً؟
رابط درامي، وبصري مفقود أدى إلى عملية قفز بين اللوحات، رغم غنى أسلوب كلّ منها؛ إذ تنوعت بين الاستعراض في المشهد الافتتاحي، مروراً بالدراما، والكوميديا، وصولاً إلى العبثية.
جميع هذه الأفكار والأبعاد مطروحة في عرض «من قتل مارلين؟»، لكنها تحتاج إلى إعادة ترتيب وتوظيف كي تصل إلى مبتغاها، وتؤثر المشاهد، مبتسماً حيناً ومفكّراً أحياناً.




«من قتل مارلين؟»: 8:30 مساء اليوم وغداً وبعده ـــ «مسرح مونو» (بيروت). للاستعلام: 01/202422