تبشر الكتب الشعرية التي يصدرها شعراء سعوديون شباب خلال السنوات الفائتة، بظهور جيل جديد، يختلف كلياً عن الشعر السعودي التقليدي. ذلك أنّ هذا الجيل ينتمي بكل توجّهاته إلى الحداثة وقصيدة النثر، ويستلهم التجارب الشعرية العربية الكبيرة التي أسست للمشهد الشعري العربي الحديث، وقصيدة النثر على وجه التحديد. لا يشذُّ عن ذلك ما يكتبه الشاعر السعودي الشاب راضي العلجاني في باكورته «موت لا يؤلم»، الصادر حديثاً عن «دار الغاوون». فهو يتبنّى الكتابة بتقنية قصيدة النثر، ويقترب في أجوائه كثيراً من أجواء الشاعر السوري محمد الماغوط. «عادة/ وقبل أن أستحم بماء بارد/ أضع ظلالي في كيس بلاستيك لكي لا تبتل/ فليس أسوأ من ظل مريض/ يصعب عليّ سحبه وجرجرته في الأماكن/ فأنا ما زلت أتذكّر جيداً كيف طفت بقعة زيت عملاقة/


لما حاولت إغراق ظلي في النهر». نجد في هذا المقطع صوراً مكتوبة بلغة سلسة، تكاد تخلو من أيّ بلاغة، لأنّ السرد الشعري يسيطر عليها، كما هي حال نصوص الماغوط وأفكاره الشعرية. غير أنّ قصيدة راضي العلجاني تفتقر إلى الضربة في نهاية القصيدة.
في قصيدة «حياء»، وهي قصيدة قصيرة، نجد التقنية ذاتها، لكنّ الأداء اللغوي هنا لا ينجح تماماً في تكثيف الفكرة، وتخليصها من الحشو. «أن تكون النافذة امرأة/ فالستارة الفستان/ والريح رجل وقح كلما هب فجأة/ رفع القماش إلى ما فوق ركبتيها/ واستحت». فكرة النص اللطيفة تتبعثر في هذا الأداء اللغوي وفي الصياغة والكلمات الزائدة. في بداية القصيدة نرى أنّ الجملة «أن تكون» زائدة كما هي حال الكلمة التي ترد في نهاية القصيدة «واستحت».
مشكلة الشعراء الشباب تكمن في قلة الخبرة الشعرية التي تتجلّى في دواوينهم الأولى. هذا ما يجعل القراء يخسرون الكثير من المتعة، حين يقعون على فكرة جميلة، لنصّ مكتوب بعناية قليلة. في ديوانه «موت لا يؤلم»، يبرهن العلجاني عن أفكار شعرية جميلة، ومخيلة خصبة، لكنّه لا يستثمر هذه الأدوات إلى حدودها القصوى، كما نرى في نصّ «فكرة شاردة» مثلاً. نجد الفكرة الشعرية الجميلة هنا، لكنّ الكلام الزائد في النص، وعدم التكثيف، يجعلنا نشعر بعدم الارتياح، لأنّ الشاعر لا يهتمّ كثيراً بتشذيب نصه. «أطيل التفكير وكأنه بالفعل حبل/ من الممكن تعليق ما يدور برأسي عليه/ كفكرة مبتلة مثلاً/ لكنّني غالباً ما أملّ من التركيز بعد أن تجف/ أقص الحبل لأتمكن من التقاطها وهي تسقط/ لكنّها ترتفع كملاءة بيضاء/ في عاصفة».
يمكن حذف الكثير من الكلمات التي تثقل هذه القصيدة، وتجعلها مترهلةً مثل كلمة «بالفعل» في الجملة الأولى، وكلمة «مثلاً» في الجملة الثالثة، وشبه الجملة «بعد أن تجف» في الجملة الرابعة، وكلمة «بيضاء» في الجملة ما قبل الأخيرة. لنُعد كتابة النص من جديد من دون هذه الكلمات ونقارن بين النصين: «أطيل التفكير كأنّه حبل/ من الممكن تعليق ما يدور برأسي عليه/ كفكرة مبتلة/ لكنني غالباً ما أمل من التركيز/ أقص الحبل لأتمكن من التقاطها وهي تسقط/ لكنها ترتفع كملاءة/ في عاصفة».