يسعى المفكر الألماني المعاصر دان دينر في كتابه «الزمن المختوم، حالة الركود في العالم الإسلامي» إلى خرق التضاد بين الشرق والغرب. عمله الصادر بالعربية عن «دار الجمل» (ترجمة حسام الدين جمال بدر، وسيد سعيد رحماني)، يحاول الإجابة عن الأسئلة العربية والإسلامية الملحة، ويلخّصها بسؤال طرحه شكيب أرسلان قبل أكثر من خمسين عاماً: «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟».


يعود بنا دينر في كتابه «الزمن المختوم» إلى عام 2002، حين اختارت مجلة «تايم» الأميركيّة، «تقرير التنمية البشرية في العالم العربي» كتاب العام. ورغم غرابة الاختيار هذا، حُمِّل التقرير الذي شارك في إعداده نخبة من المثقفين العرب، أكثر من مليون مرّة عبر الشبكة الافتراضية. لاحظ دينر أنّ التقرير يكشف عن ازدياد التمزّق في العالم العربي، وشبّهه بـ«مقص مفتوح حتى نهاية طرفيه». الطرف الأعلى يمثل صرامة القيمة الذاتية الدينية كطريق نحو التمدّن، والطرف السفلي، يجسّد رفض الواقع بتشاؤم مستمر، ويعمِّق حالة الانفصام في الذات المحبوسة بين الماضي والواقع الراهن. وهو واقع لا تستطيع أن تجد نفسها فاعلة فيه، نتيجة القطع بينها وبين جهود التحديث التي سلّط التقرير الضوء عليها، من خلال عودة رمزية إلى كتاب الإمام رفاعة الطهطاوي، «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». في هذا الكتاب، يتحدّث عن تجاربه حين كان مرشداً للبعثة التعليمية الطلابية التي أرسلها والي مصر محمد علي باشا إلى فرنسا، كي تنقل الكتب التعليمية والمعرفية في الحقول العلمية كافة إلى اللغة العربية والتركية. لكنّ ما استُجلب من فرنسا أو أوروبا عامةً، نُقل نقلاً آلياً، من دون أي خطة تلائم المجتمع المتلقي. لهذا، لم يحقّق تطبيق المعرفة المكتسبة أي تقدّم تقني وتنظيمي، سوى تثبيت دعائم حكم محمد علي باشا كصورة للهيمنة العسكرية. فعند ترجمة الطهطاوي لكتاب ميكافيللي «الأمير»، وبعدما قرأه محمد علي، أمر الأخير بإخفائه على الفور، كي لا تتفتح أعين المحكومين على استبداده.
المشروع الحداثوي ذاته، اتبعه جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات بتعاونه مع الاتحاد السوفياتي. صاغ المجتمع المصري صياغةً عسكرية، يراها دينر «انعكاساً لصورة الضعف على المستوى الاجتماعي». هكذا، أُضفيت هيبة اجتماعية وسياسية بالغة على العسكر، في المجتمع المصري.
أبرز أسباب تقهقر المشاريع الحداثوية في العالم العربي، بحسب دينر، هو غياب الحرية، إضافةً إلى انعدام الحماية القانونية ومشاركة الشعوب ديموقراطياً في الحياة السياسية. وكي لا يبقى العالم العربي الإسلامي متعثراً في شقّ طرقه النهضوية، لا بدّ له ـــــ بحسب دينر ـــــ من النظر من جديد في لغته المقسومة إلى صورتين مختلفتين: الفصحى للكتابة، والعامية للحديث اليومي والتواصل الاجتماعي. ويعود ذلك إلى المكانة المقدّسة للغة العربية، وموقعها الديني، المنفصل عن المستجدات الدنيوية، من أحداث وموضوعات يفرزها التقدّم في العالم المعاصر. لهذا، اتسمت بـ«حالة من الثبات وعدم التغيّر مبنية على حيثيات دينية»، وأضحت «وعاء المقدس وكنفه». بالتالي، حالت قدسية اللغة العربيّة الدينية دون خلق زمن دُنيوي يديره الإنسان ويتحكّم بها. وتواترت النصوص في المدنية الإسلامية عبر المشافهة، معتمدةً على الذاكرة والسمع، لا على الكتابة التي كانت مكروهة. ومردُّ ذلك إلى محاولة الإسلام «تمييز نفسه عن غيره من ديانات التوحيد الأخرى»، وخوفه من «ألا يقترن بالقرآن كتاب آخر». من هنا جاءت عادة حرق كتب أو مدونات كل إنسان قبل موته في الصدر الأول من الإسلام.
اللغة المقدّسة تتطابق مع النظرة إلى الزمن. يجد دينر أنّ مفهوم الزمن في الحضارة العربية الإسلامية ملتصقٌ بثبات النص، ومضبوطٌ بقدسية الدين. وهذا لا يعني أنّ الإسلام لم يعرف تأريخاً وتاريخاً حقيقياً، بل تراكمت الأعمال والقراءات التاريخية، السردية والإخبارية خصوصاً، على مدى قرون. لكنّ الزمن حسب الرؤية الإسلامية، زمن متوقفٌ ومغلق، يمتد في قلب دائرة مقفلة خارج التاريخ المتحرك والمتغير. فالحوادث «مجرد تكرار لشيء كان. وكلّ حادثة جديدة معروفة من قبل في أحداث الماضي»، كأنّ الزمن المقدس يبدأ بحادثة وينتهي بها أو كأنّه انتهى مع بدايته.