في وقت نجدنا فيه فاقدين القدرة على الانتظار في معظم مواقف الحياة وسلوكياتها، تطلب فدى على لسان مارغريت بطلة روايتها، إلى حبيبها إبراهيم، الانتظار. في رواية «انتظرني» (دار بركات) تبدو هذه الحبيبة واثقة بحبها وقلبها، لتجرؤ على طلب الانتظار من رجل، فيما معظم الرجال غير قادرين على انتظار إشارة المرور، أو الوقوف في خطّ في مصرف أو في دائرة رسمية، وغير قادرين على انتظار عنقود عنب حتى ينضج، فتراهم يأكلونه حصرماً. في هذا الزمن الغريب، تُعنون فدى أبو شقرا عطا الله كتابها «انتظرني». وقد يكون في طلبها الانتظار، امتحانٌ لحب آخر من حيث أصالته وعمقه وثباته. وربما ينطوي على أبعاد أخرى عصية على التحليل، ولا تعرف سرها إلا الحبيبة مارغريت، كأنها تجد في الانتظار متعة الموعد الدائم مع الحب، أو كأنها تعرف أنّ الانتظار هدف مستدام، واللقاء ليس سوى سقوط لهذا الهدف.


«انتظرني» رواية حب استثنائي، رواية جريئة متفلتة، ذات نفَس ثوري متحرر. تبعثر فدى أبو شقرا عطا الله، في روايتها هذه مشاعر قرائها من دون شفقة وبغير هوادة، وتقلب مفاهيم عديدة لديهم، وتغتال مفاهيم الحب التقليدية عندهم. تكتب فدى بقلم متمرد، غير أنّ في تمرّده خفراً ورقّة. تمزيق الستائر وإلغاء المحرمات الوهمية التي تسلب أعمار العشاق في هذا الشرق، وتتركهم بصحبة البطلة مارغريت في مهب الوجع والانتظار، لا يعنيان إطلاقاً تفتيت القيم وإهمالها، ولا يعنيان تحول الأنثى المشرقية الراغبة في حب متحرر، والباحثة عن التخلص من الكبت القاتل مومساً بائعة هوى. لذا، ظلت مارغريت تقاوم السقوط.
«انتظرني» صفحات تجسد المرأة والأنثى والحبيبة والعاشقة والأم والأخت بأرقى ما تستحق أمهاتنا ونساؤنا وشقيقاتنا وحبيباتنا. صفحات وسطور تمثّل خطوة جريئة في وجه الغباوة والتسلط. «انتظرني» رواية تسد رمقاً في زمن الجوع هذا. رواية تمثل صدمة للساقطين، واستفزازاً للمستسلمين، وأملاً للخائبين، ومفهوماً جديداً لحرية الحرب وفلسفة العشق.
تقيّدك «انتظرني» منذ صفحاتها الأولى، حتى إنك لا تقوى على التفلت منها، تراك منكباً على قراءتها بشغف كأنّك معني بأحداثها ومرتبط بأبطالها، الى حد بعيد. تتعلم وجهاً آخر للحب الكبير، وتدرك أخيراً أن الانتظار ليس مضيعة للوقت، بل هو فرصة ليستعد الحبيب لحب كبير يفرغ فيه كل لهفة الانتظار.