القاهرة | كان يحيى قلاش مرشح «الاستقلال» في انتخابات نقابة الصحافيين. لكن منافسه ممدوح الولي لم يكن مرشح الحكومة، فأي معنى للاستقلال هنا؟ بالإجابة عن هذا السؤال، قد تتضح القراءة الصحيحة لانتخابات النقابة التي انتهت بإعلان ممدوح الولي أول نقيب لصحافيي مصر بعد «ثورة 25 يناير».


على طريقة انتخابات الأطباء المصريين التي أجريت أخيراً، جاءت انتخابات الصحافيين لتطرح التساؤلات حول هوية النقيب الفائز. في الحالتين، كان هناك مرشح واحد «للاستقلال». وفي الحالتين، انتهت الانتخابات بفوز النقيب المدعوم من «الإخوان المسلمين» وليس الإخواني. كلاهما، خيري عبد الدايم (نقيب الأطباء الجديد)، وممدوح الولي (نقيب الصحافيين الجديد) أعلنا أنهما ليسا من أعضاء الجماعة. كذلك انتهت «الأطباء» بشبه تعادل بين قائمتي «الإخوان» والمستقلين. سيطر الإخوان على مجلس النقابة العامة، وسيطر المستقلون على معظم النقابات الفرعية. أما في انتخابات الصحافيين، ففشل مرشحو «الإخوان» الأربعة في دخول مجلس النقابة. ولم يضمّ المجلس من الجماعة سوى المخضرم محمد عبد القدوس الذي يعده الصحافيون عابراً للتنظيمات السياسية رغم «إخوانيته». وبالإجمال، جاء المجلس متوازناً يميل إلى الخدمات والاستقلال معاً. لكن مجدداً، أي استقلال؟ في مواجهة من؟ «الإخوان»؟
يُلاحَظ هنا أنّ المتنافسين على مقعد نقيب الصحافيين ـ قلاش والولي ـ ينتميان إلى مؤسسات صحافية قومية (حكومية): «الجمهورية» لقلاش، و«الأهرام» للولي. كلاهما يتمتع بتاريخ نقابي. ويُحسب قلاش تاريخياً على تيار «الاستقلال». أما الصحافي المخضرم ممدوح الولي، فهو «مستقل» بمعنى يختلف عن استقلالية قلاش. لم ينخرط في الصراعات السياسية داخل النقابة أو خارجها. وفور انتخابه، أكّد رغبته في انتشال النقابة من المنافسات الحزبية والسياسية... ما يعني التركيز على الخدمات.
قد «يرغب» الولي في بعض الوجاهة. بعد فتح أفق السياسة والسماح بتأسيس الأحزاب والتمهيد لأول انتخابات برلمانية حرة، ربما ينبغي أن تعود النقابات إلى أدوارها الخدماتية، وتعود السياسة إلى ملاعبها الطبيعية في الأحزاب والانتخابات. لكن يبقى كل هذا تصوراً نظرياً، ليس فقط لأنّ الثورة المضادة تعمل لتعطيل التغيير، بل لأنّ الثورة لم تغيّر حتى الآن الثغر التشريعية المنظمة لمهنة الصحافة. وهذه الثغر تشمل شروط التأسيس، والوضع الشمولي للمؤسسات الحكومية، وقانون العقوبات الذي يقيّد حرية الرأي والتعبير ويسمح بحبس الصحافيين. سيتطلب تغيير ذلك نقابة تعي الاستقلال بالمعنى السياسي لا الحقوقي فقط، لأنّ السلطة التشريعية التي سينتخبها البرلمان المقبل، لن تكون مجرد مجموعة مصالح كما في عهد مبارك، بل سلطة ايديولوجية أيضاً. وهي أيديولوجيا غير داعمة للحريات. من هنا خطورة «التعاطف» بين النقيب الجديد و«الإخوان المسلمين». تعاطف قد يتطور إلى تفاهم، خصوصاً أن نقيب الصحافيين مرشح ليكون جزءاً من لجنة صياغة الدستور الجديد.
أما في مجلس النقابة، فانتخب الصحافيون عدداً من الوجوه الاستقلالية بالمعنى السياسي، لكنّهم أيضاً انتخبوا نصف مجلس جديد، لأنّ نصف الأعضاء الناجحين كانوا أعضاء في المجلس السابق. ولوائح النقابة تقسم المجلس قسمين: دون الـ15 عاماً (مدة العضوية النقابية) أو فوق الـ15. وتنحاز اللوائح للشباب لأنه يجوز لمن أمضوا أقل من 15 عاماً في النقابة أن يحتلوا العضوية كاملة لو حققوا أعلى 12 ترتيباً في الأصوات. لكن ذلك لم يحدث، وجاء المجلس متساوياً بين الجيلين، وقد يكون لذلك معان كثيرة.