على الغلاف | المفارقة أن الحصار المالي الذي يواجهه موقع ويكيليكـس، لا يطبّق على الحساب الذي انشأته لجنة الدفاع عن اسانج عبر موقع خصص لرصد كل ما يتعلق بمسار المحاكمة http://www.swedenversusassange.com ويحمل شعار «سوف تسود العدالة». جلسات محاكمة اسانج في بريطانيا شكّلت مادة سجالية ذات طابع حقوقي وسياسي. فخلال جلسات الاستماع في تموز الماضي، لم يتوانَ محامي الدفاع بن إيمرسون في وصف المحاكمة بـ«الجنون»، مشيراً إلى أن أسانج ضحية تطابق بين القانونين الإنكليزي والسويدي، وأنه جرى استخدام غير مناسب لمذكرة التوقيف الأوروبية التي لم تقدم الوصف الدقيق والمناسب للمزاعم والتهم الوجهة اليه.

ولا يخشى فريق الدفاع تسليم أسانج إلى السويد، بقدر تخوفه من ان تستخدم السويد ما يعرف بحالة «الاستسلام المؤقت»، وهو ما قد يؤدي إلى تسليمه سرياً، وبسرعة قياسية، إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات منفصلة تتعلق بتسرب مئات الآلاف من الوثائق الحكومية السرية من خلال موقع ويكيليكس، ما قد يواجه معه عقوبة الإعدام.
لماذا يحاكم اسانج، وهل هو فعلاً ضحية مكيدة جنسية؟
منذ صدور مذكرة التوقيف الاوروبية في حقه، تركز النقاش ــــ في ما بات يعرف بـ«قضية السويد مقابل اسانج» ــــ على صحة مذكرة التوقيف التي صدرت بحقه، لكونه مقيماً في لندن. ويستند هذا النقاش إلى خلفية عدم قانونية الدعوى التي تقدمت بها كل آنا أردين وصوفيا فيلين على أسانج، في الأول من أيلول ٢٠١٠، بعدما قبل رئيس الادّعاء السويدي فتح القضية، قبل أن تكون في ٢٠ آب ٢٠١٠ مجرد طلب نصيحة من الشرطة بشأن ما يمكنهما القيام به ضد الرجل الذي مارس الجنس معهما كلاً على حدة، يومي ١٤ و١٧ آب. لائحة الاتهام لم تتضح بكاملها، رغم الحديث عن عدم استخدام الواقي الذكري مع الأولى، وممارسة الجنس مع الثانية وهي نائمة، وهي أفعال يصنّفها القانون السويدي بأنها حالات إكراه غير مشروع ومضايقة جنسية واغتصاب.
وتتميز ورقة فريق الدفاع عن اسانج التي قدمت الى المحكمة البريطانية في تموز الماضي بتركيزها النقاش على العيوب التقنية التي تشوب مذكرة التوقيف الاوروبية، لكونها لا تستند الى تهم واضحة، ولكون الوقائع لا تتطابق مع السلوك المزعوم بأنه جريمة جنسية، وان الادعاء بوجود جرائم جنسية، في ما لو كانت صحيحة في السويد، فإنها لا تتطابق مع التعريف البريطاني لهذا النوع من الجرائم، كما أن هذه المذكرة استندت الى تحقيقات أولية أجرتها السلطات السويدية بطريقة غير منصفة وتشوبها عيوب اجرائية عدة.
تتضمن مذكرة التوقيف الاوروبية ادعاء آردين بأنها تعرضت الى إكراه غير مشروع اثناء ممارسة الجنس مع اسانج ليلة ١٣ آب ٢٠١٠ في منزل المدعية في ستوكهولم عبر اعاقة حرية تحركها اثناء العملية الجنسية. وقالت آردين، في شهادتها امام الشرطة، انها حاولت تحريك جسمها «بقصد البحث عن الواقي الذكري كي يستخدمه اسانج قبل عملية الولوج». وتضيف المذكرة: «لاحقاً، عندما شعر أسانج بحركاتها الغريبة، توقف وسألها عن دوافعها فطلبت منه استخدام الواقي، فما كان منه الا أن توقف ووضع الواقي قبل اكمال العملية الجنسية». وتخلص مذكرة الدفاع الى ان ادعاء آردين بأنها تعرضت لاكراه غير مشروع غير مبرر، وان ما قام به اسانج قبل وضع الواقي كان مجرد مداعبة جنسية، وانه عندما طلب منه ان يضع الواقي فعل ذلك من دون تردد». لاحقاً، وخلال ممارسة الجنس، توقفت آردين اكثر من مرة بقصد التثبت من استخدام اسانج للواقي، ليتبين بعد انتهاء العملية الجنسية وجود ثقب فيه. وادّعت آردين ان اسانج ثقبه عن قصد. وخلال التحقيق، افادت آردين بأنها مارست الجنس مع اسانج مرات عدة، ويومياً، طيلة فترة اقامته عندها، ليتبين انها ادعت بأنه في ليلة ١٨ آب قام بعملية الايلاج دون استخدام الواقي، وانها استغربت هذا الامر، فما كان منها الا ان قفزت عن السرير وأكملت نومها على فراش موضوع على الارض في الغرفة نفسها. وحول هذه الواقعة تقول مذكرة الدفاع: «انه لمن المستغرب ان يكون رد فعل امرأة تعرضت لاكراه غير مشروع أثناء ممارسة الجنس مجرد الانتقال من السرير الذي جرت فيه عملية الاكراه المزعوم الى فراش قرب هذا السرير، بدل الانتقال الى غرفة اخرى على اقل تقدير، او مغادرة المنزل نهائياً، او الطلب الى اسانج مغادرته».
وفي حالة فيلين، تبيّن، بحسب مذكرة التوقيف ادّعاؤها أنها تعرضت للاغتصاب من اسانج حين بادر الى ممارسة الجنس معها اثناء نومها، وانها كانت في وضعية ميؤوسة وغير قادرة على منعه! وهنا تفنّد مذكرة الدفاع استجواب المدعية من قبل الشرطة السويدية ليتبين ان ادعاءها بأنها اغتصبت كان في المرة الرابعة التي مارست فيها الجنس مع اسانج ليلة ١٦ آب حين استضافته في منزلها في مدينة انكوبنغ، وأنها كانت «نصف نائمة» أثناء بدء عملية الولوج التي حصلت من دون استخدام الواقي. وبسخرية واضحة، تضيف مذكرة الدفاع «ان الادعاء بأنها كانت نصف نائمة يعني ايضاً بأنها كانت نصف مستيقظة، علماً ان المحادثة التي جرت بين فيلين واسانج بعد انتهائهما من ممارسة الجنس، فيها ادانة لاسانج لكونه مازحها رداً على سؤالها له: ماذا ستفعل إذا تبين لاحقاً اني حامل منك؟ بالقول: السويد بلد جيد لينجب فيه المرء أولاداً».
في الخلاصة، ليس معلوماً بعد ماذا سيكون عليه القرار النهائي للمحكمة البريطانية حول ترحيل اسانج الى السويد، علماً ان هذا الامر يتوقع حدوثه بنسبة عالية، الا اذا حصلت مفاجأة، كما يأمل انصار اسانج، الذين يصرون على ان ما حدث معه في السويد كان مكيدة مدبرة للايقاع به، في بلد ترتفع فيه معايير توصيف الجرائم الجنسية الى اقصى حد.




اسلوب كافكا

لم يتوان الكاتب الاميركي جون بلغر عن وصف العدالة الاميركية التي تنتظر اسانج بأنها اقرب الى «اسلوب كافكا»، نسبة الى فرانز كافكا، رائد الكتابة التشاؤمية، الذي قبل في احدى رواياته حكم الموت الذي اصدره عليه والده وغرق.
وفي رسالة رفعها الى الحكومة الاسترالية، يقول المحامي البريطاني غاريث بيرس: «يُسلط على رقبة اسانج سيفان. فهو يواجه خطر تسليمه الى عدالة محكمتين مختلفتين ليواجه مزاعم بارتكابه جريمتين لا ينطبق عليهما الوصف الجرمي في النظام القضائي لبلاده. حياته مهددة اكثر من اي وقت مضى، ومن الواضح ان الدوافع السياسية تغطي على الدوافع الجنائية في مسار محاكمته».