على الغلاف | «القضيّة التي أسقطت كارتل Visa وMastercard ...». تحت هذا العنوان كتب المحامي لويد قسطنطين قصّة مقاضاة الشركتين العملاقتين عند بداية الألفية على خلفية دعوى رفعتها مجموعة من التجّار الأميركيّين، انضمّت إليهم لاحقاً الشركة العملاقة «Wal-Mart». كلّفت هذه الدعوى الشركتين نحو 3.5 مليارات دولار عبارة عن غرامات تسوية لتجاوزهما قانون المنافسة، والاعتماد على احتكارهما في السوق للسيطرة على الأسعار. تكبّدت «Visa» نحو 60% من تلك الغرامة، والباقي دفعته زميلتها.


في الواقع، عُدّت هذه القضيّة نقطة انطلاق لكسر حلقة احتكار صانعَي البطاقات المصرفية. وفي السنوات التي تلت بتّ القضية، رُفعت دعاوى مماثلة على ضفّتي الأطلسي. ومنذ عام تحديداً، لجأت الشركتان إلى تسوية مع وزارة العدل الأميركيّة أيضاً في قضية خاصّة بعدم احترام قوانين المنافسة. وفي آخر عام 2010، توصّلت «Visa» إلى تسوية أخرى مع المفوضية الأوروبية خاصّة بالأكلاف التي يتكبّدها المستهلك لدى الدفع عبر بطاقاتها المصرفيّة.
دعاوى كثيرة، وتسويات بمليارات الدولارات، والنتيجة: لم يتغيّر شيء! فالشركتان تبقيان الوحيدتين المسيطرتين في ميدان البطاقات المصرفية البلاستيكيّة، وشبكتهما تمتد كالأخطبوط في كلّ المعمورة.
لنأخذ الولايات المتّحدة وحدها، تسيطر شركة «Visa» حالياً على نحو 73% من عمليات الشراء عبر بطاقات الشحن (Debit Cards)، وأقلّ بقليل من نصف سوق بطاقات الاعتماد (Credit Cards). أمّا في أوروبا، فإنّ حصّة الشركتين من السوق الإجماليّة تقارب 97% (يبقى 3% فقط خارج إطار هذا الكارتل).
إنّها بيئة احتكارية بامتياز في مجال التحويلات المالية الإلكترونيّة التي يُتوقّع أن تتجاوز قيمة الدفعات فيها قيمة المدفوع نقداً في عام 2012. هذا لا يعني أنّه ليس هناك لاعبون آخرون، ولكنّ تأثيرهم يبقى هامشياً.
أبرز الأمثلة على مدى سيطرة أخطبوط التحويلات الماليّة يظهر في حالة «ويكيليكس». فالحظر الذي فرضته الشركتان المذكورتان أدّى إلى خسارة الموقع الإلكتروني الشهير 50 مليون دولار عبارة عن تحويلات/ تبرّعات غير محقّقة. وبعدما كان معدّل التبرّعات يبلغ 100 ألف يورو شهرياً في عام 2010، لن يتجاوز هذا العام 7 آلاف يورو.
هذا الحظر المفروض من كارتل التحويل المصرفي العالمي، لا يعود فقط إلى إجراءات اتخذتها شركتا البطاقات الإلكترونية. ففي كانون الأوّل 2010، فرض المصرف الأميركي الأكبر «Bank of America»، وشركة التحويل النقدي الإلكتروني «PayPal» (تابعة للموقع الإلكتروني الشهير eBay)، وشركات عديدة أخرى، حظراً على «ويكيليكس». حظرٌ عدّه جوليان أسانج مهدّداً لوجود مؤسّسته، بحيث إنّه إذا لم تُلغَ هذه العقوبات فإنّ الموقع سيتوقّف عن العمل في نهاية العام الجاري.
هكذا يكون النظام المالي العالمي قد نجح في إسكات أصوات الهامسين بالحقيقة حول العالم، الذين مثّل الموقع الذي يقوده ذلك الشاب الأوسترالي الأشقر متنفساً لهم.
فمعركة جوليان أسانج تحوّلت من معركة لإظهار حقيقة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية إلى معركة ضدّ النظام الرأسمالي القائم. وكما بدا العالم مدجّناً إلى حدود معيّنة لدى صدور برقيات دبلوماسيّة خطيرة، يبدو أيضاً جباناً في تعاطي النظام المالي العالمي بوقاحة مع قطع التمويل عن «ويكيليكس».
أحد أمثلة الوقاحة الظاهرة كان تعليق المستشار القانوني الأوّل لدى «PayPal»، جون مولر، غداة إعلان بدء الحظر: عُلّق العمل بالحساب المتعلّق بـ«ويكيليكس» نظراً إلى أنّ سياسة الاستخدام المقبولة التي تعتمدها «PayPal» تحظر على منظّمة معيّنة استخدام الخدمة إذا كانت «تشجّع، تروّج، تسهّل أو توجّه آخرين إلى الانخراط في نشاط غير قانوني».
المضحك في تصريح هذا المحامي هو وصفه قرار الحظر بأنّه «صعب »!
على أي حال، تستمرّ شركات ــــ القرارات الصعبة (!) بتحقيق الملايين من جرّاء احتكارها السوق. فعلى سبيل المثال، بلغت الإيرادات الصافية لشركة «Visa» في الفصل الثالث من العام المالي 2011 (الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 حزيران 2011) 883 مليون دولار، مسجّلة نمواً بنسبة 23% مقارنة بالعام السابق، حيث بلغت قيمة الحوالات عبر قنوات هذه الشركة 941 مليار دولار.
وعشيّة إعلان الشركة نتائجها للفصل الرابع، يُفيد حساب سريع وبسيط لتعميم هذه الأرقام على العام المالي بمجمله، بأن أرباح الشركة ستبلغ 3.5 مليارات دولار للعام المالي 2010 ــــ 2011.
أمّا «Mastercard» فقد حقّقت خلال النصف الأوّل من العام الجاري أرباحاً صافية بلغت 1.2 مليار دولار، بنمو نسبته 28.2%.
على أيّ حال، فإنّ عمل هذه الشركات هو مع المصارف، وهنا الوضع مؤسف جداً؛ فالسيطرة تزداد مع رفع الأكلاف التي تُفرض في نهاية المطاف على المستهلك، ومع زيادة الدعم لمنظّمات مثل «KKK» (كوكلاكس كلان الأميركية) العنصريّة ومحاربة مؤسّسات تحرّرية مثل «ويكيليكس»! في المقابل، لا ترتفع ضدّ هذا السلوك سوى أصوات باهتة (في البرلمان الأوروبي مثلاً) تتحدّث عن كسر الاحتكار، غير أن السيطرة لا تنفكّ تزداد متانة.