الجزائر | رغم أهمية الملتقيات الثقافية التي تناولت سيرة جاك دريدا في السنوات الأخيرة، تكاد فلسفته وفكره وكتبه تكون غائبة على نحو ملحوظ عن برامج الجامعات الجزائرية. انصراف الجزائريين عن الاهتمام بإرث دريدا، الذي دعم بقوة الثورة الجزائرية، السبب فيه كونه محسوباً عن غير حقّ على الأقدام السوداء (الفرنسيين الذين أقاموا في الجزائر خلال الاستعمار) وربما يعود لأصوله اليهودية. لهذا، تحضر ذاكرة الفيلسوف والكاتب الكبير (1930 ــ 2004) في المجتمع الجزائري على نحو شحيح، وإن لم يكن صاحب نظرية التفكيك محسوباً على بقايا الاستعمار الفرنسي. لهذا السبب، جاءت المحاضرة التي ألقاها تلميذه بونوا بيترز أخيراً في الجزائر، لتبثّ نفَساً جديداً في إرثه. الناقد والروائي ورسام الشرائط المصوّرة، جاء إلى الجزائر بدعوة من «وكالة الإشعاع الثقافي»، ليحكي عن الفيسلوف الراحل في ذكرى رحيله الثامنة. وكانت محاضرته في «ديوان دار عبد اللطيف» في الجزائر العاصمة، فرصة لتقديم كتابه «ثلاث سنوات مع دريدا ـــــ دفاتر كاتب سيرة» (فلاماريون ــ 2010).

تحدّث بيترز بإسهاب عن سيرة صاحب «الكتابة والاختلاف». هو لم يكن فرنسياً قط، بل جزائرياً حتى النخاع، ينحدر من أسرة أندلسية قدمت من البرتغال إلى شمال أفريقيا، مع هجرات المورسكيين ويهود سفرديم، إثر سقوط غرناطة. كان بيترز من المقربين من دريدا، وحظي بفرصة الاطلاع على رسائله وأرشيفه الخاص. وفي كتابه «ثلاث سنوات مع دريدا»، يخصص جانباً مهماً لطفولة أستاذه، مشدداً على تأثير نشأته في الجزائر على صقل شخصيته وتكوينها. لهذا، استرسل في الحديث عن حياته الاستثنائية، منذ مولده في حي الأبيار وسط الجزائر العاصمة عام 1930، مروراً بعلاقته مع والده، الذي كان عاملاً في مؤسسة النبيذ. عرّج أيضاً على طرد صاحب «الصوت والظاهرة» من المدرسة عام 1942، رغمّ أنّه كان مميّزاً بين رفاقه. وجاء تسريحه بسبب التمييز العنصري، الذي طاول ذوي الأصول اليهودية، بعد إنزال النازيين في الجزائر مطلع الحرب العالمية الثانية.
هذا التمييز عده بيترز نقطة فاصلة في حياة دريدا، لكونه مثل دافعاً قوياً لإصراره على القراءة بعمق وصبر. راح يعلّم نفسه بنفسه، ويكتشف روسو، ونيتشه، وجيد، وسارتر. تميّزه في كرة القدم، جعله في المقابل، «رياضي تفكير»، ومنحه مقدرة رهيبة على التحمُّل والتركيز والملاحظة. عام 1949، عاش دريدا محطة مفصلية في حياته، حين غادر موطنه باتجاه باريس، ليقيم في مدرسة داخلية، ويتابع دراسته الثانوية. وجد ابن التاسعة عشرة نفسه أمام مدينة تحترف الفكر والفن والأدب. ودفعه ذلك إلى الاحتكاك بالنخبة المثقفة الفرنسية، فجاور ألتوسير وفوكو وبورديو وآخرين. وهناك بدأ نضاله ضد الحركات الاستعمارية، متبنياً الفكر اليساري.
دريدا الذي قال في أحد حواراته الصحافية: «كانت المدرسة جحيماً بالنسبة إليّ»، فشل في اجتياز مسابقتين للالتحاق بالجامعة. هكذا عاد إلى الجزائر، والتحق بالمدرسة العسكرية في مدينة القليعة، وعمل في ترجمة بعض المقالات، ليكسب عيشه مع زوجته المعالجة النفسية مارغريت أوكوتورييه، في وقت كانت فيه الجزائر غارقةً في ثورتها.
في مطلع عام 1960، أصبح دريدا أستاذاً للفلسفة والمنطق في «جامعة السوربون»، حيث بقي أربع سنوات. في تلك المرحلة، كانت انطلاقة «آخر الفلاسفة»، الذي ألّف أكثر من 80 كتاباً تسائل إرث غيره من الفلاسفة، مبتكراً مصطلحات جديدة في لغة موليير.
في محاضرته المطوّلة، تطرّق بيترز إلى موقف دريدا من الثورة الجزائرية. فقد برّر عدم توقيعه «بيان 121» الذي ضمّ الكثير من المثقفين الفرنسيين، في مقدمتهم سارتر، وسيمون دو بوفوار، لمساندة الثوار الجزائريين، ومناهضة جرائم بلادهم في الجزائر. والسبب بحسب بيترز أنّ وضع دريدا في ذلك الحين كان حرجاً جداً، مع وجود عائلته في الجزائر، وعلاقته المتوترة مع الإدارة الفرنسية بسبب موقفه النقدي منها، كما يلحظ الروائي الفرنسي أنّ شخصية معلّمه، لطالما تميزت بالتريث في اتخاذ القرارات وتبني المواقف. «فقد كان يحتاج دوماً إلى وقت لتفكيك أي ظاهرة يريد دراستها»، يقول بيترز. وهذا في رأيه سر اهتمام دريدا بالقضايا العالمية، كمناهضته نظام «الأبرتهايد» في جنوب أفريقيا، ومساندته القضية الفلسطينية (راجع الإطار). فـ«السياسة كانت مفتاح فكر دريدا الفلسفي» كما يقول.
ليست المحاضرة التي احتضنها «ديوان دار عبد اللطيف» أخيراً، أولى المبادرات التي تكرّم فيلسوف التفكيك. عام 2006، احتفت الجزائر بالذكرى الثانية لوفاة دريدا عام 2006، في ملتقى دولي حمل عنوان «على خطى جاك دريدا»، كان يعد استثناءً في المشهد الثقافي الجزائري... إلا أن اعتراف المؤسسة الرسمية الجزائرية بمكانة دريدا، لم يشجع على حضور فعلي له في المنظومة التربوية. وبحسب مدير «منشورات البرزخ» سفيان حجاج، فإنّ «تغييب بعض المثقفين في الجزائر ليس مرتبطاً بشخص جاك دريدا فقط، إذ لا نرى في الجزائر شارعاً يحمل اسم كاتب ياسين أو محمد ديب مثلاً». وعن دور النخبة الثقافية ووسائل الإعلام في إعادة بعث الأسماء المستبعدة عن الخريطة الثقافية الجزائرية، وخصوصاً «الأقدام السوداء»، أمثال ألبير كامو وبيار بورديو، يرى حجاج أنّ دوره كمثقف وناشر، يكمن «في إعادة نشر كتب المثقفين الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية، تماماً كدوري في نشر أعمال كاتب ياسين، وابن خلدون وغيرهما».
في ذروة الثورة الجزائرية، أدان دريدا سياسة فرنسا الاستعمارية، وطالب بنوع من الاستقلال الذي يكفل التعايش بين الجزائريين والفرنسيين، كما يذكر الجميع أنّ دريدا كان من المبادرين الأوائل إلى إنشاء «حركة لمساندة المثقفين والصحافيين الجزائريين» عام 1993، بهدف حمايتهم من كابوس الاغتيالات التي طاولتهم على يد المد الديني المتطرف. اغتيالات راح ضحيتها كتاب وفنانون كثر، على غرار الصحافي عمر أورتيلان، والروائي الطاهر جاعوط، والمفكر الشاب بختي بن عودة الذي اغتيل عام 1996. وللمفارقة، فإنّ بن عودة كان قد نظم مع باحثين آخرين، أوّل مؤتمر عن جاك دريدا في «جامعة وهران» عام 1994. يومها، دعوه إلى المشاركة، لكنّه لم يستطع. وكان كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة» لبختي بن عودة من الكتب النقدية الأولى في الجزائر، التي قدّمت قراءة تحليلية لفكر دريدا.
تجدر الإشارة إلى أنّ دريدا يعدّ من أبرز الشخصيات التي واجهت موجة الإسلاموفوبيا، بعد أحداث 11 أيلول، كما كان على حافة الظفر بـ«جائزة نوبل» لولا موته بعد صراع طويل مع سرطان البنكرياس، عن عمر يناهز الرابعة والسبعين. حين فارقنا قبل 2004، كان يستعدّ للموت، كأنّه فرصة أخرى للحياة. ألم يقل مرةً: «الموت هو طريقة لنكون بجانب الحياة». فهل سيُعاد اعتبار جاك دريدا في مسقط رأسه؟




بين فكّي الكمّاشة

منذ أوائل الثمانينيات سجّل دريدا مواقف إيجابيّة من القضية الفلسطينية، وانتقد السياسة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ما جعله مكروهاً من قبل اللوبيات الصهيونية، وخصوصاً في فرنسا. هكذا، اتهم بمعاداة السامية من جهة، وغيّبت المؤسسة الثقافيّة الرسميّة فكره من جهة أخرى.