في ديوانه «شريط صامت» (المدى ـــ بغداد)، وهو الخامس له، يسعى عبد الزهرة زكي (1955) إلى تأريخ وقائع ومشهديات حياتية ليس من عادتها أن تفسح مجالاً كافياً لتأملات الشعر وبطء الاستعارات. إنها «نصوص عن السيارات والرصاص والدم»، بحسب العنوان الفرعي للديوان الذي يكاد يكون ترجمة طبق الأصل لما يحويه من «إجابات شعرية عن أسئلة الموت اليومي، حيث يُصاغ المشهد الشعري بالقرب من الأسلحة وعيون القتلة»، بحسب شهادة الروائي والباحث قاسم محمد عباس على الغلاف.

إيحاءت مماثلة تَعِدُنا بكتابة ساخنة ومباشرة عن أحداث أكثر سخونة. كأنّ الشاعر العراقي يستأذن ذائقتنا في التخفّف من شعرية قصوى، لمصلحة معاينة الآلام التي تنبعث من قتلى التفجيرات الجوّالة ومخطوفي الجماعات الإرهابية، وضحايا الاحتلال الأميركي. يتحول الشعر إلى معجم إسعافي لتأويل مفردات الفقدان والرعب والدمار، بينما يصبح البقاء على قيد الحياة نجاةً قصيرة أو تأجيلاً لموت محتوم: «لن يلحقَ بالسيارة التي أمامه/ السيارةُ التي في الخلف لن تلحق به/ والثالثة التي اجتازتهُ لم تنفجر/ ثمة متسعٌ للحياة». ما نقرأه أقل سرعةً من تقنية الخبر العاجل، وأكثر عناية بالمشهد من انتهاك الكاميرات التلفزيونية لجثث القتلى، لكنّه يظلّ أقلّ جودة من الشعر المكتوب من دون إيعازات مباشرة وضاغطة.
ينجح صاحب «كتاب الفردوس» (2000) أحياناً في الاقتراب من الحدث على نحو موارب، ملتقطاً انطباعات أعمق ممّا يبدو على السطح: «بين القدمين المضرجتين بالدم/ أسفل المقعد/ لم ينتبه عمال الإنقاذ لهاتف يرن/ سيارة الإسعاف تنطلق بالجسد القتيل/ ويرتفع الدخان بعيداً/ ويمرّ السائقون ناظرين وجلاً/ إلى الحطام/ ووسط الدم/ أسفل المقعد/ الهاتف يرن». إلّا أنّنا نصطدم ببساطة متمادية في وصف هذه المشهديات. يراهن الشاعر على الأثر المباشر الذي ستتركه القصيدة على القارئ، أكثر من اهتمامه بإطالة تأثير هذا الأثر. قد يُظنّ أنّ الشعرية المطلوبة زخرفةٌ وجمالياتٌ مجانية، أمام أهوال الموت العراقي، لكنْ هناك ممارسات وطرائق لاستدارج اللغة البسيطة نفسها إلى شعرية لا تتعارض مع موضوعها. يتحقّق جزء من هذه الممارسات في قصائد مثل: «الدم يحفر مجراه» و«سيطرة وهمية» و«الحارس الشخصي»، و«تحت الأقدام»، إلا أنّ الجودة تظلّ محكومة بالتفاوت، طالما أنّ النصوص مشغولة بتأويل المشهد الحياتي المباشر، بممارسات لغوية مباشرة. هكذا، يمتلك الديوان نبلاً إيديولوجياً ووجاهةً سياسية يتفوقان على أسباب الشعر العابرة لوجاهات مماثلة.