كانت هزيمة 67 بمثابة شرخ كبير لجيل حجازي. لم يستطع أن يتخلّص من تأثيرها نهائياً. كان لديه يقين وهو يعمل بأنّه «شخص مهزوم» لكن يمتلك رغبة في المقاومة. وربما لهذا احتلت القضية الفلسطينة معظم أعماله. بعد الهزيمة، انهمك في العمل لنسيان ما جرى... حتى تسرّب إليه إحساس بأنّه يعيد ويكرر ما يرسم من دون أن يُحدث فعلاً حقيقياً لحلّ القضية: «منذ 48 المذابح تتكرر، ونحن نتكلم ونغضب ونثور ثم ننسى».


وكل قضايانا مثل القضية الفلسطينية: البطالة، الديكتاتورية القمع... تناولها الكاريكاتور ولم يعد لديه جديد يمكن أن يضيفه. كما أنّ المجتمع نفسه أصبح أكثر تزمتاً. انغلق في وجه الأجيال الجديدة. لم تعد فكرة الآخر موجودة. ولا يمكن أي إبداع أن يزدهر من وجهة نظره في ظل هذا المناخ. والكاريكاتور كفن يختلف عن القصة والمسرح: فن مباشر يعبّر عما يحدث في المجتمع، ولا يحتمل الرمز أو التورية. في زمن عبد الناصر، قال حجازي كل ما يريد. لم يتعرض له الرقيب، بل كان يلاعب الرقيب برسومه الاجتماعية ذات الأبعاد السياسية الحادة. في تلك الفترة، كانت تعنيه فقط الفكرة لا الشكل. لم يكن هناك انفصال بين ما يفكر فيه وما يرسمه. لذا جاءت رسومه بسيطة خالية من التعقيد، وبعيدة عن الهم السياسي المباشر. لكن عندما جاء السادات ومعه كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي، اختلف الوضع. رسم لوحاته عن الانفتاح، والتفريط في فلسطين، لكنه شعر بأنّه كرر نفسه. عشر سنوات عمل خلالها في مجلات للأطفال بما هم رهان المستقبل الحقيقي. ثم عاد ليعمل مع عادل حمودة في «روز اليوسف»، ثم في جريدة «الخليج»، لكنه أيضاً شعر بأنّه لم يعد لديه جديد يمكن أن يضيفه.
حجازي صاحب مدرسة الواقع المعكوس، حسب تعبير الناقد محمد بغدادي. يمكن أن نقرأ من خلال أعماله منذ الستينيات وحتى التسعينيات، التاريخ السري للشخصية المصرية أو تاريخ الإنسان العادي، لا تاريخ السلطة والأحداث الكبيرة. لهذا هو لا يملك صوتاً جهيراً ولا نبرة عالية وتبدو نكته «مجرد تعليق عابر خاطف بصوته الخفيض لا يقصد إسماعه لأحد» حسب تعبير الراحل محيي الدين اللباد. لكنه في الوقت ذاته «كاريكاتور يتم تسريبه بوعي شديد وبخطة داهية، ليبدو هكذا كأنّه خلق بتلك البساطة التي يبدو بها». هذه البساطة لم تكن فقط في رسومه بل في حياته. لم يحتفظ بلوحة مما رسم، بل كان يتركها لعمّال المطابع في الجرائد التي عمل فيها. حياته كانت في جملة واحدة عندما يسأله أحد عنها: «بصراحة مش شايف إني رسام مهم ولا أي حاجة. الحكاية كلها إني جيت من طنطا إلى القاهرة أشوف شغلانة آكل منها عيش وسجاير، وطلعت الشغلانة في الصحافة لأني كنت وأنا في الثانوي بعرف أرسم شوية... بس كده».