دمشق | «كرفان الشعر والموسيقى» حطّ أخيراً في دمشق. ربما ضلّ طريقه إلى عاصمة الأمويين في لحظة لا تحتمل الشعر على الإطلاق، في ظل أخبار الموت اليومي. في المقابل، هناك من يرغب في إعادة الحياة إلى الساحة الثقافية السورية من موقع آخر. جمعية «مكان» في «غاليري مصطفى علي»، اقترحت بالتعاون مع مؤسسة COSV الإيطالية، و«مقهى بغداد» في استوكهولم، إعادة الاعتبار إلى الشعر عبر طريق إقامة ورشة للكتابة، واستضافة شعراء وموسيقيين إيطاليين، ومعرض تشكيلي، وآخر للكتاب الشعري، وندوة بعنوان «كيف يُستقبل الشعر في سوريا اليوم؟». شاعران وناقد وناشر أثاروا سجالاً متجدداً حول تلقي الشعر وأسباب احتضاره.


الناقد جمال شحيّد نفى موت الشعر، ورأى أنّ ما أصابه هو نكسة موقتة بسبب اجتياح العولمة، وانتصار ذائقة المجتمع الاستهلاكي على ما عداها. هذه الذائقة وضعت السرد في الواجهة بوصفه وجبة مسليّة. وأشار إلى أن هذا المزاج بات معمماً، ليس عربياً فحسب، بل هو أوروبي أيضاً، إذ تقبع الكتب الشعرية في الرفوف الخلفية للمكتبات. من جهته، أشار صاحب «دار كنعان»، الناشر سعيد برغوثي، إلى أفول القصيدة العمودية التي كانت تلهب الحناجر «في غياب شعراء المنابر، واتساع قوس الهزائم العربية». وقال إنّه لم يغامر كناشر بطباعة أكثر من 30 كتاباً شعرياً بسبب عدم رواج الشعر، وأضاف مستدركاً: «لا أنكر وجود تجارب شعرية، لكن طرائق التلقي اختلفت: عليك أن تذهب إلى القصيدة، لا أن تأتي إليك».
الشاعر سامر محمد إسماعيل اتكأ على فكرة «القلة الكثيرة» وفقاً لمقولة الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، معوّلاً على الذائقة الاستثنائية في تلقي الشعر، وقال «لم يكن الشعر جماهيرياً على الدوام». وأشار إلى تجربة الشعراء المتصوفة، وكيف أقصت المؤسسة الرسمية تجارب النفّري، والحلّاج، والسهروردي، لمصلحة شعراء البلاط، لتستمر هذه النظرة إلى اليوم. إذ اخترعت الأنظمة شعراء الهتاف والمناسبات، وهذا ما نجده اليوم في المراكز الثقافية الرسمية، التي منعت تسلل شعر الحداثة إلى منابرها، عدا حالات استثنائية مارقة، وهذا ما جعل الشعر هامشياً في الذائقة العامة. واستعرض الشاعر لقمان ديركي تجربته الشخصية في كتابة الشعر، وخيباته الأولى في نيل رضى جمهور الشعر، لولا تشجيع «مهرّب دخان» أثنى على قصائده. وأشار إلى أن ما يحتاج إليه الشعر هو الحرية، سواء في الكتابة نفسها، أم في تلقيها. ورأى أن الأزمة تبدأ من المنبر الذي خلق حالةً من التعالي بين الشاعر وجمهوره، كما أدت «الحداثة الشعرية المستوردة» دوراً سلبياً في تطور الشعر العربي خارج الأنماط الجاهزة للحداثة، التي أطاحت شعر العامية ونفته خارج فردوسها، مستثنياً تجربة محمد الماغوط، باعتبارها نبتاً شيطانياً، وعلامة فارقة في الشعر السوري. واستعاد صاحب «الأب الضال» تجربته في تأسيس «بيت القصيد» في إحدى حانات دمشق، وكيفية كسره الحواجز، وإتاحة المجال لكل الأصوات واللغات واللهجات في التناوب على هذا المنبر بوصفه ملاذاً للعابرين والمهمّشين والضالين.

في الفضاء نفسه، كان علينا أن نعيش تجربة أخرى تعزز حضور الشعر في الحقول الإبداعية الأخرى. هكذا اقترحت مجموعة من التشكيليين الشباب (ندى علي، ولمى ندور، وريم يسوف، ورامي صابور، وحسين طربيه، ويامن محمد، وموسى نعنع، وفادي مراد، وفادي الحموي، ونائل حريب، وخالد البوشي)، قصائد لشعراء سوريين ووضعها في مهبّ اللون والخط. نقرأ النص الشعري، ونفتشّ عن أطياف الكلمات في اللوحة. قد نجد تفسيراً مباشراً لمحتوى النص لدى بعضهم، فيما يلتقط آخرون النبض السريّ للقصيدة. نستعيد نصوصاً لنزار قباني، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وعلي الجندي، ومرام المصري، وهالا محمد، ورياض الصالح الحسين، وسنية صالح، وفرج بيرقدار، ودعد حداد، وآخرين. لم ينجُ معظم هؤلاء التشكيليين الشباب من الاستعارة المباشرة لمفردات النص ومن إقحامها فوق سطح اللوحة كترجمة حسية لا تضمر أبعاداً أخرى، فغابت الكثافة البصرية لتتحول اللوحة إلى مجرد زخرفة لونية. في إمكاننا أن نشير هنا إلى تجارب لافتة، نجدها في أعمال فادي الحموي (عن نص لدعد حداد)، وريم يسوف (عن نص لهالا محمد)، وخالد البوشي (نص محمد داغستاني)، ونورس نهار (نص سنية صالح). في «غاليري حديقة القشلة»، في شارع باب شرقي، كنّا على موعد آخر، مع معرض للكتاب الشعري. محاولة لتوثيق الديوان السوري بأطيافه المتعددة. عناوين لدواوين الرواد، وأخرى لأسماء مجهولة، حتى إننا سنستغرب كثافة هذه الحشود في اللجوء إلى هذه المملكة التي بدت بلا حرّاس.
لم يتوقف برنامج «كرفان الشعر والموسيقى» عند ذلك. هناك أمسية موسيقية وشعرية إيطالية مشتركة في باحة «غاليري مصطفى علي» أحياها أول من أمس الشاعر دافيد روندوني، وأليسيا باسيني، وميل موركونه على البيانو، ومحاضرة بعنوان «موسيقى الأصوات» لثائر زين الدين في المركز الثقافي العربي في العدوي، إضافة إلى عرض لخيال الظل بعنوان «كركوز شاعراً» لزكي كورديللو (١٠ /٢٠)، وأمسية لشعراء ورشة الكتابة في اليوم نفسه.